الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإصلاح البنيوي وقدرة واشنطن

بواسطة azzaman

الإصلاح البنيوي وقدرة واشنطن

قتيبة آل غصيبة

 

حين دخلت الدبابات الأمريكية بغداد في 9 آذار 2003، إنها قامت لإسقاط كلَّ بنية الدولة التي استغرق بناؤها ثمان عقود ونيف؛ التي لم تكن مثالية، فكانت تلك اللحظة الفارقة التي وُلد فيها الفراغ الذي لم يُملأ حتى اليوم؛ ولم يكن الغزو مغامرةً عسكرية مرتجلة فحسب؛ بل كان في جوهره العميق مشروعَ هدمٍ بلا مشروع بناء، وهو ما أعلنه المسؤولون الأمريكيون أنفسهم حين وقفوا أمام الفوضى التي اجتاحت بغداد ينظرون إليها بذهولٍ؛ فقد «وصفه وزير دفاعهم دونالد رامسفيلد؛ ت: 2021 بعبارته الخفيفة الشهيرة: (الحرية فوضى..)»، تبعها تعيين الحاكم المدني بول بريمر؛ الذي أصدر أكثر من (100) تشريع وقانون «عُرف بعضها بقوانين وقرارات سلطة الائتلاف المؤقتة»؛ والتي عُرفت فيما بعد (بالهندسة السياسية الفاشلة) ؛ فخلال فترة ولايته التي استمرت لنحو 14 شهراً «، وكانت أخطر هذه القرارات: «ألقرار رقم (2) بحل الجيش العراقي؛

شركات مملوكة

والذي تم بموجبه تسريح أكثر من 400 الف عسكري؛ ليتركوا فراغاً أمنياً كبيرا ، والقرار رقم (39) والقرار رقم (40) ؛ إذ سمح القرار رقم 39 بخصخصة مئات الشركات المملوكة للدولة ومنح الملكية الأجنبية للشركات بنسبة 100 بالمئة مع تحويل الأرباح للخارج؛ بينما سمح القرار 40 للبنوك الأجنبية بدخول السوق العراقية بحرية كاملة؛ مما أدى إلى تدمير الصناعة المحلية وتحول العراق إلى سوق استهلاكية، وكذلك الامر (81)؛ الذي تم بموجبه فرض قيود صارمة على المزارعين العراقيين تمنعهم من حفظ البذور أو مشاركتها أو إعادة زراعتها للمواسم اللاحقة؛ مما أدى إلى تدمير الاقتصاد الزراعي التقليدي وربط المزارعين العراقيين بشركات البذور العالمية المعدلة وراثياً وابرزها (شركة مونسانتو المتعددة الجنسيات)؛ مما أدى إلى فقدان الأمن الغذائي وتراجع الإنتاج الزراعي المحلي»، وبلا شك فان هذه القرارات غيرت القوانين العراقية السارية بطريقة سيئة؛ رغم   عدم قانونيتها وفقاً  للقانون الدولي، وفي نفس الوقت فقد مارست واشنطن ضغوطاً سياسية مكثفة على القيادات العراقية لإقرار الدستور وتمريره؛ الذي حمل الكثير من الألغام والهفوات ابرزها بناء الدولة على أساس طائفي وعرقي.

وبناء على ذلك، فإن ما أضافه الأحتلال  إلى هذا الفراغ المؤسسي لم يكن دولةً حديثة؛ بل كان نظاماً طائفياً في لباس ديمقراطي.

زعيم عشائري

حين اعتمدت واشنطن مبدأ المحاصصة الطائفية والإثنية أساساً لتوزيع السلطة؛ وأصبح لكل طائفة حصتها من الوزارات؛ ولكل حزب نصيبه من المؤسسات؛ ولكل زعيم عشائري أو ديني قطعته من كعكة الدولة، في نموذج مشابه للنموذج اللبناني في إدارة الدولة؛ حيث وصف  أحد كبار السياسيين في الكيان الصهيوني وقتذاك ؛ الدستور العراقي والعملية السياسية التي بُنيت على أساسه؛ (بأنه سعيد جداً بأن اصبح بناء النظام السياسي في العراق مشابهاً للنموذج اللبناني) ، وهكذا فحين تتحول الدولة إلى غنيمة توزَّع بالمحاصصة؛ فإن الوزير لا يعود خادماً للمواطن بل وكيلاً لطائفته وحارساً لحصتها؛ ولا يعود الموظف العام مؤتمناً على المال العام بل رافداً لشبكة المحسوبية التي أوصلته إلى منصبه.

 وبالتأكيد؛ فإن هذه البيئة المُعدَّة بعناية للفشل، عملت على ترعرع الفساد لا كظاهرة استثنائية بل كنظام حكم بديل، فعقود إعادة الإعمار التي ضخّت مئات المليارات من الدولارات كانت الرصاصة الأولى في جسد الدولة العراقية؛ إذ وثّقت «هيئة الرقابة والنزاهة الأمريكية : (ضياع ما يزيد على ستة وخمسين مليار دولار في مشاريع وهمية أو ناقصة التنفيذ أو مضخّمة التكاليف) ، وكان كثير من المستفيدين؛ هي شركاتٍ أمريكية من أمثال» هاليبرتون وبكتل»؛

والتي لا تقل في جشعها عن الفساد العراقي المحلي الذي جاء الاحتلال بحجة القضاء عليه.

فالفساد إذن لم يكن عراقياً خالصاً؛ بل كانت له أمٌّ أمريكية وأبٌ محلي؛ وتربّى في حضانة الاحتلال قبل أن يستقل هذا الفساد بنفسه.

وفي هذا الصدد، فقد أنتج هذا النظام طبقةً جديدة من الأثرياء لم تعرف بالعراق إلا بعد ٢٠٠٣؛ طبقة نشأت لا من العمل ولا من الاستثمار بل من القرب من مراكز القرار ومن القدرة على التلاعب بالعقود الحكومية وتهريب العملة الصعبة والاستيلاء على أموال الموازنة العامة، وبينما كانت هذه الطبقة تبني قصورها في المنطقة الخضراء المحاطة بالجدران والحواجز الإسمنتية؛ كان ملايين العراقيين يعيشون بلا كهرباء ثابتة ولا ماء صالح للشرب ولا مدارس بمستوى لائق، في مشهد يُعبّر عن فصلٍ مزدوج: «فصل مناطقي جغرافي بين المنطقة الخضراء؛ والمنطقة الحمراء، وفصلٌ اجتماعي بين من نهب ومن نُهب منه»، وعلى سبيل المثال فالمؤسسة العسكرية والأمنية التي أُعيد بناؤها بعد الحلّ؛ كانت مثالاً صارخاً على كيفية توظيف الفساد في تخريب أدوات الدولة الأكثر حساسية؛ إذ كشف سقوط الموصل والانبار وصلاح الدين  وأجزاء من ديالى؛ عن حقيقة مرعبة حين فرّت قوات يُفترض أنها تبلغ خمسة وعشرين ألف جندي في الموصل لوحدها؛ أمام بضعة مئات من مقاتلي تنظيم داعش الإجرامي، فلم يكن هذا فراراً من القتال فحسب؛ بل كان انكشافاً لعقد من الفساد العسكري؛ فالجنود الفضائيون الذين لم يكونوا موجودين أصلاً إلا على أوراق الرواتب؛ والضباط الذين اشتروا رتبهم بالمال؛ والعتاد الذي تم بيعه في السوق السوداء؛ والقادة الذين حوّلوا ثكناتهم إلى مشاريع تجارية، فحينما جاءت اللحظة الحقيقية؛ لم يكن هناك جيش؛ بل كانت هناك مؤسسة من الورق.

وجدير بالذكر؛ ففي هذا الفضاء المفتوح الذي خلّفه الاحتلال ورعاه الفساد، وجدت إيران فرصتها التاريخية التي لم تكن لتحلم بها لو لم يأتِ الغزو الأمريكي على طبق من ذهب، فطهران لم تكن  في حاجة إلى دبابات أو طائرات لاختراق العراق؛ بل كانت في حاجة إلى شيء تمتلكه بوفرة: «الصبر والمال والشبكات المُعدَّة سلفاً والأيديولوجيا المُصدَّرة»؛ وإنها منذ سنوات السبعينيات الثمانينيات؛ كانت  قد استثمرت علاقاتها مع الأحزاب الاسلامية العراقية المعارضة التي لجأت إلى أراضيها هرباً من ملاحقة الدولة؛ فمنحتها المأوى والتمويل والتدريب وربطتها بولاءاتٍ عضوية لا تنقطع بسهولة، فحين عاد هؤلاء مع الدبابات الأمريكية عام ٢٠٠٣، لم يعودوا مجرد سياسيين في المنفى بل كانوا يحملون منظومة ولاءات مزدوجة، وكانت إيران تعرف ذلك تماماً؛ فشخصيات سياسية بارزة أمضوا سنوات طويلة في طهران أو تحت وصايتها؛ تصدرت المشهد وأصبحوا حُكاماً للعراق؛ لا لأن أمريكا لم تكن تعرف ارتباطاتهم؛ بل لأنها كانت في عجلة من أمرها لملء الفراغ بأي وجوه تبدو مقبولة، فانتهى بها الأمر إلى أنها سلّمت البلد بيدها إلى منافسها الأكبر في المنطقة، فالتغلغل الإيراني في المؤسسة الأمنية العراقية كان أخطر من التغلغل السياسي لأنه أكثر استدامة وأقل قابلية للمساءلة، فالحشد الشعبي الذي تأسس رسمياً عام ٢٠١٤ في خضم معركة القضاء داعش الاجرامي أصبح فيما بعد؛ الأداة الأمثل لتحقيق هذه الغاية؛ فهو رسمياً جزء من المنظومة الأمنية العراقية يتقاضى رواتبه من الموازنة العامة؛ لكنه فعلياً يمثل ذراعٌ يتبع ولاية الفقيه أكثر مما يتبع رئيس الوزراء في بغداد؛ وإن معظم فصائل الحشد؛ تتلقى تمويلها وتسليحها وتوجيهاتها العملياتية من الحرس الثوري الإيراني عبر فيلق القدس؛ وقد قاتل بعضها في سوريا دفاعاً عن نظام الأسد بأوامر إيرانية صريحة؛ في انتهاك سافر لمفهوم السيادة العراقية الذي لم يجد من يدافع عنه بجدية، لقد كان هذا الفساد؛ بمثابة الوقود الذي أدار هذه الآلة الإيرانية، لأن شراء الولاءات أرخص بكثير في بيئة فاسدة منه في بيئة مؤسسية سليمة؛ فالمسؤول الذي يتقاضى رشوة لمنح عقد حكومي لشركة مرتبطة بطهران لا يختلف في منطقه عن المسؤول الذي يغضّ الطرف عن تهريب السلاح عبر الحدود مقابل رشوة من نوع آخر، وحين تستوعب الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران عشرات الآلاف من الشباب العراقي الذي لم يجد عملاً في دولة أنهكها الفساد؛ تكون طهران قد حلّت إشكاليتين في آنٍ واحد: «بنت جيشاً موالياً لها ووفّرت متنفساً لتوترات اجتماعية كان يمكن لها أن تنفجر في وجه المنظومة السياسية برمّتها

وفي هذا السياق ، فإن الاقتصاد العراقي يمثّل وجهاً آخر من هذه المعادلة المعقدة؛ ففي حين يمتلك العراق سادس أكبراحتياطيات نفطية في العالم ويضخّ عائدات بالمليارات شهريا؛ فإن  ربع سكانه يعاني من الفقر ويصل معدل البطالة بين الشباب إلى أرقام تُقلق المؤسسات الدولية، هذه الهوّة الفاضحة بين الثروة الهائلة والفقر المُدقع لا تفسيرَ لها سوى الفساد المنهجي الذي تتحكم فيه بالمحاصصة، إذ تتحول كل وزارة إلى مملكة خاصة تستنزف الموارد توظّف اتباع حزبها؛ وتُبقي المواطن رهين الخدمات المتردية ليكون في حاجة دائمة إلى الوساطة وإلى من يقدم له رغيفه مقابل ولائه، إذ في هذا الفضاء بالذات تنشط الشبكات الإيرانية؛ وتُقدّم نفسها بديلاً خيرياً وإيديولوجية حامية في غياب الدولة الراعية، وقد باتت السوق العراقية  أسيرة للبضاعة الإيرانية بشكل يفوق ما تسمح به أي علاقة تجارية طبيعية، إذ تشير التقديرات إلى أن التبادل التجاري بين البلدين تجاوز عشرة مليارات دولار سنويا؛ وجزءٌ كبير منه يجري خارج الأطر الرسمية؛ مما يعني أن إيران تحصد عائدات اقتصادية من العراق في الوقت الذي تفرض عليه تبعيةً سياسية، وفي المقابل؛ كانت إيران تستخدم العراق منفذاً للتحايل على العقوبات الأمريكية؛ إذ أثبتت تحقيقات متعددة أن مؤسسات مالية عراقية تم توظيفها لتحويل الدولار إلى طهران عبر شبكات معقدة من الوساطة المصرفية.

وهنا يظهر الوجه الأكثر مرارة في هذه الصورة، هو أن العراقيين أنفسهم رفضوا هذا الواقع بصوتٍ مدوٍّ حين انفجرت انتفاضة تشرين ٢٠١٩ التي هزّت بغداد والجنوب العراقي؛ ورفع فيها المنتفضون شعارات صريحة ضد إيران والفساد والطبقة السياسية برمّتها، فكان ذلك إعلاناً واضحاً من الشعب العراقي أنه يريد دولته لنفسه، لا لطهران ولا لواشنطن، فالردّ جاء بالرصاص الحي؛ وسقط أكثر من ستمئة شهيد وآلاف الجرحى؛ وكانت أصابع الاتهام تشير إلى القناصة الذين ضبطتهم التحقيقات بإنتمائهم الى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، بالإضافة إلى اغتيال الناشطين والصحفيين الذي تواصل في السنوات التالية؛ فكان رسالةً قاطعة بأن منظومة الفساد الهجينة هذه لن تتسامح مع من يطعن في شرعيتها.

وأمام هذا المشهد القاتم، يُطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: «هل تستطيع واشنطن؛ بأدواتها الدبلوماسية الحالية؛ أن تُصلح ما أفسده احتلالها بيديها؟» والإجابة الأمينة تقتضي التمييز بين ما هو ممكن نظرياً وما هو مرجّح واقعيا؛ لأن الخلط بينهما ضربٌ من التمني لا من التحليل، فالجهد الدبلوماسي الأمريكي المتجدد تجاه العراق؛ الذي تجلّى في « اتفاقية الإطار الاستراتيجي؛ والتي تم إبرامها في ٢٠٠٨؛ حيث تنظم هذه الاتفاقية العلاقات الثنائية في مجالات متعددة، بما في ذلك السياسة والدفاع والاقتصاد والطاقة والصحة والتعليم والقضاء بهدف دعم سيادة العراق وأمنه»؛ إذ يتم مراجعتها دورياً؛ وتمارس واشنطن من خلال بنود هذه الاتفاقية ضغوطاً متصاعدة على بغداد لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة وضبط منافذ التحايل على العقوبات، الذي يصطدم بعقبة بنيوية لا يُعالجها الدبلوماسيون في قاعات المفاوضات: «لأن المنظومة التي يريدون إصلاحها هي بالضبط المنظومة التي بنوها، فالنخبة السياسية التي تتفاوض معها واشنطن اليوم هي ابنة نظام المحاصصة الذي أقرّته سلطة بريمر عام ٢٠٠٣؛ «فهي لا تستطيع الإصلاح الجذري لأن الإصلاح الجذري يعني إلغاء الشروط التي أنتجتها، وبقاؤها متوقفٌ على استمرار تلك الشروط بالذات»، وكذلك فثمة فارق جوهري بين الإصلاح الذي تريده واشنطن والإصلاح الذي يحتاجه العراق، «فما تريده واشنطن في المرحلة الراهنة: «في جوهره تحجيم النفوذ الإيراني وضمان بقاء العراق ضمن مدار نفوذها أو على الأقل خارج المدار الإيراني الكامل»، أما ما يحتاجه العراق فهو إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية؛ وإصلاح المنظومة القضائية؛ ومحاربة الفساد البنيوي؛ واسترداد السيادة الفعلية على أجهزته الأمنية»، فهاتان الأجندتان لا تتطابقان دائماً؛ وحين تتعارضان تُقدّم واشنطن مصالحها الاستراتيجية على حساب إصلاح الدولة العراقية، وهو ما جرى في مناسبات عديدة حين غضّت الطرف عن فصائل مسلحة طالما لم تستهدف المصالح الأمريكية المباشرة.

كذلك فالمشروعية التاريخية، تمثل إشكالية أخرى تُضعف الأثر الدبلوماسي الأمريكي، إذ يصعب على دولة أن تُقنع شعباً بأنها شريك في إصلاحه بعد أن دمّرت بنيته المؤسسية وأسقطت دولته وتركت فاتورة الفوضى يدفعها المواطن البسيط وحده، والذاكرة الجمعية العراقية التي تحتفظ بتفاصيل أبو غريب وحوادث هدم الفلوجة وقتل المدنيين التي وثّقتها منظمات حقوق الإنسان لن تُنسى بسهولة، وهذا رصيدٌ سلبي لا يمحوه بيانٌ دبلوماسي ولا زيارةٌ وزارية.

وحري بالأمر، فإن الأداة الأمريكية الأكثر تأثيراً في الملف العراقي ليست الدبلوماسية بل الاقتصاد، فبقاء العراق معتمداً على التسهيلات الأمريكية للوصول إلى النظام المالي الدولي، الذي يمنح واشنطن رافعةً حقيقية؛ والتي لم تستخدمها بكامل طاقتها حتى الآن؛ إذ بإمكانها الضغط على المصارف العراقية التي وظّفتها إيران للتحايل على العقوبات؛ وتقليص نافذة بيع الدولار التي استُغلّت لتهريب العملة؛ وربط التمويل الدولي بمعايير قابلة للقياس في مكافحة الفساد، فكل هذه الأدوات تحمل تأثير أكبر من أي حوار دبلوماسي؛ غير أن استخدامها يتطلب إرادةً سياسية أمريكية مستعدة لتحمّل تبعاتها على حساب علاقاتها مع بغداد وانعكاساتها الإقليمية.

وإستطراداً للأمر، فإن الواقع الأكثر إجحافاً هو أن إيران تتمتع في العراق بميزة تفاوضية بنيوية لا تملكها أمريكا: «فالجوار الجغرافي وإشتراك إيران مع العراق في حدود تمتد على أكثر من ١٤٠٠ كيلومتر؛ وتربطها به روابط دينية وعائلية ولغوية وتجارية يومية، حيث لا تستطيع أي استراتيجية دبلوماسية عابرة أن تُلغيها أو حتى أن تنافسها» ، في المقابل؛ « فإن أمريكا تقيم علاقتها بالعراق من وراء المحيطات؛ ومن خلف أسوار سفارتها الأضخم في العالم في بغداد»، وهذا الفارق الجغرافي يترجم نفسه يومياً في مئات القرارات الصغيرة التي تتخذها شبكات النفوذ الإيرانية على الأرض قبل أن يصل مسؤولٌ أمريكي إلى مبنى وزارة خارجيته.

وحقيقة فإن ما جرى للعراق منذ ٢٠٠٣ ليس مأساةً طارئة، بل هو نتيجة حسابية لقرارات اتخذها أناسٌ يعرفون ما يفعلون، فواشنطن هدمت الدولة لأنها أرادت استبدالها بما يخدم مصالحها فأخفقت، لأن الهندسة الاجتماعية ليست علماً كباقي علوم الهندسة؛ فكما قال «الفيلسوف النمساوي كارل بوبر؛ ت ١٩٩٤» : (إن «الهندسة الاجتماعية الشاملة» من أخطر الأوهام السياسية، لأنها تتجاهل أن المجتمعات تنمو ولا تُصنع)، «في الوقت الذي انتظرت فيه إيران دورها بصبر الصيادين الذين يعرفون أن الأسماك ستأتي إليهم حين يُلوَّث النهر»، في حين «وجدت الطبقة السياسية العراقية  في الفوضى فرصتها للاستيلاء على ما لم تستطع بناؤه بكفاءتها»، ليبقى الضحية الوحيدة للأسف في هذه المعادلة هي: الدولة العراقية ومعها المواطن الذي بات يحمل جواز سفرٍ لبلدٍ موجود على الخريطة لكنه شبه غائب في الواقع.

الخلاصة التي يُفضي إليها المنطق والتاريخ معاً، هي أن واشنطن قادرة على التأثير لكنها غير قادرة على الإصلاح البنيوي؛ لأن الإصلاح البنيوي ليس منحةً تُعطى من الخارج بل مساراً يُبنى من الداخل، وإن أقصى ما يمكن للدبلوماسية الأمريكية تحقيقه هو الحدّ من أشد مظاهر التغلغل الإيراني انكشافاً؛ وتعزيز الكتل السياسية العراقية التي تُفضّل الاستقلالية على التبعية؛ وربط المساعدات بشروط الإصلاح المؤسسي، وهي قادرة على أن تعيد العراق إذا توفرت الإرادة الوطنية الجادة للعراقيين ؛ إلى دولةً ذات سيادة فعلية؛ وقضاء مستقل؛ وجيش وطني يُقسم ولاؤه للوطن لا للمرجعية الدينية في طهران، فالعراق اليوم للأسف ليس دولةً فاشلة بالمعنى التقليدي ، بل هو دولةٌ مخترقة، تملك مؤسساتٍ بلا سيادة؛ وثروةً بلا عدالة؛ وانتخاباتٍ بلا ديمقراطية حقيقية، وإن  المسار الصحيح نحو إسترداد السيادة، لا يبدأ في واشنطن، بل يبدأ في بغداد؛ عندما  يقرر العراقيون أنفسهم أن ثمن السيادة يستحق أن يدفع؛ وأن دولتهم لن تُبنى إلا بأيديهم...

والله المستعان..


مشاهدات 52
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/06/29 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 7:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 377 الشهر 28813 الكلي 15904294
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير