الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصحيفة والجريدة.. من سعف النخيل إلى الفضاء الرقمي

بواسطة azzaman

الصحيفة والجريدة.. من سعف النخيل إلى الفضاء الرقمي

محسن عبود كشكول

 

في أحاديثنا اليومية وداخل غرف الأخبار، بل وحتى في جلساتنا الثقافية، نردد كلمتي (الجريدة) و(الصحيفة) بوصفهما وجهين لعملة واحدة، مترادفين يحملان ذات الدلالة عن ذلك الكيان الذي ينقل لنا الأنباء ويصيغ لنا الآراء. لكن لو تتبعنا الأثر اللغوي والتطور التاريخي للمصطلحين، وتأملنا البيئة الرقمية التي نعيشها اليوم، لاكتشفنا أننا وقعنا في خلط مشاع يظلم الفلسفة العميقة للإعلام، ويحتاج إلى وقفة لضبط البوصلة، خاصة في ميدان البحوث العلمية والأكاديمية.لو عدنا بالزمن إلى الجذور، سنجد أن (الجريدة) ولدت من رحم المادة الفيزيائية؛ فهي مشتقة تاريخياً من (جرائد النخل) التي كان يُكشط عنها الخوص ليُكتب عليها، هذا الارتباط بالجسد المادي جعل (الجريدة) مقيدة بالورق، والطباعة، ودورية النشر اليومية المنتظمة. إنها الوعاء الذي ينتهي مفعوله بصدور عدد الغد. أما (الصحيفة)، فهي تنحدر من (الصحف) أي الأوراق المضمومة والمكتوب الخالص، وهي بطبيعتها كلمة حرة، واسعة، وشاملة؛ لا تكتفي بضم الجرائد اليومية فحسب، بل تتسع لتشمل المجلات الأسبوعية، الدوريات، الملحقات، والمواقع الإلكترونية.هذا التمايز اللغوي لم يعد مجرد رفاهية بلاغية، بل تحول إلى ضرورة فرضها التحول الرقمي. لننظر اليوم إلى المؤسسات الإعلامية العراقية العريقة كـ (الزمان، الصباح، المدى)؛ هل يمكننا اختزال مواقعها الإلكترونية الحافلة بالأرشيف الرقمي، والملفات التفاعلية، والمجلات المتخصصة، والـ (فيديوغراف) تحت مسمى (جريدة)؟ بالتأكيد لا. فالجريدة تموت بانتهاء ورقها، بينما الموقع الإلكتروني لهذه المؤسسات تحول إلى (منصة صحفية) متكاملة ومتجددة على مدار الساعة، وهو ما يجعل مصطلح (موقع الصحيفة) هو الأرجح والأصدق في التعبير عن واقع الحال.ومن هنا استقر العرف الأكاديمي الحديث في كليات الإعلام العربية، ولاسيما في العراق ومصر، على هجر المصطلحات التقليدية المقيدة بالماضي الورقي. فبات من النادر أن نعثر في كتاب منهجي أو أطروحة دكتوراه حديثة على مصطلح (الجريدة الإلكترونية) لما يحمله من تناقض بين المادة والافتراض، واستبدل بـ (الصحافة الإلكترونية) أو (الصحف الرقمية).

منجز فكري

إن الانحياز لـ (الصحيفة) في ميدان البحث العلمي يمتد أيضاً إلى دقة توصيف الفنون الفكرية. فحين يدرس الباحثون مقالات الرأي أو التقارير أو التحقيقات، فإنهم يتعاملون مع منجز فكري خالص، وعمل إبداعي يرتبط بمهنة (الصحافة) والوعاء الشامل لها وهي (الصحيفة)، ولا علاقة لهذه الفنون الإنسانية بآلية الطباعة والنشر والماكنة الورقية التي تمثلها (الجريدة).ختاماً إن الكلمات ليست أوعية فارغة، بل هي مرايا تعكس تطور الوعي البشري. وفي عصر تلاشت فيه الحدود بين الحبر والإلكترون، يبقى مصطلح (الصحيفة) هو الأبقى والأكثر مرونة، لأنه يعبر عن روح المضمون لا عن شكل القالب، وعن جوهر الفكرة لا عن نوع الورق.

 


مشاهدات 75
الكاتب محسن عبود كشكول
أضيف 2026/06/28 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 8:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 383 الشهر 27778 الكلي 15903259
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير