الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين وهج الإبداع وفخ التملق: منصات الأدب أم صالات عرض؟


بين وهج الإبداع وفخ التملق: منصات الأدب أم صالات عرض؟

زهير جبر

 

شهدت الفضاءات الرقمية والمنصات الأدبية في الآونة الأخيرة تحولاً ملحوظاً في آليات التفاعل مع المنتج الثقافي. ولم يعد النص الأدبي هو المحرك الوحيد لبوصلة الاهتمام، بل دخلت على الخط حسابات أخرى تجعلنا نتساءل عن طبيعة ميول بعض مدراء المنصات الأدبية تجاه "النص النسوي"، وهل يندرج هذا الاهتمام المبالغ فيه تحت بند الانحياز الفكري، أم الخضوع لسطوة الصورة، أم هو شكل من أشكال "الإذلال" الضمني للأدب ذاته؟

انحياز، خضوع، أم إذلال؟

حين نرى تهافتاً غير مبرر وإغراقاً في المديح لنصوص نسوية بغض النظر عن جودتها الفنية، فإننا لسنا أمام "انحياز" حقيقي للمرأة ككيان مبدع؛ فالانحياز الحقيقي للمرأة الكاتبة يكون باحترام قلمها ونقد نصها بجدية لتطوير أدواتها.

إن ما يحدث في بعض المنصات يقترب أكثر من "الخضوع" لجاذبية الحضور الرقمي، أو محاولة كسب التفاعل والمشاهدات على حساب القيمة الأدبية. وفي أسوأ الحالات، يتحول هذا التملق إلى "إذلال" خفي للمنتج الثقافي؛ لأنه يتعامل مع النص الكاتب ليس بناءً على متانته اللغوية وعمقه الفكري، بل بناءً على جنس كاتبه وصورتها الشخصية.

 

منصة أدبية أم صالة عرض للأزياء؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا: لماذا كل هذا؟ هل نحن في منصة أدبية أم في صالة عرض للأزياء؟

لقد تحولت بعض المنصات بفعل هذا السلوك من فضاءات لمناقشة الأفكار، والاستعارات، والبنية الدرماتيكية، إلى "واجهات عرض" تُستغل فيها الصورة الشخصية للكاتبة كـ "طُعم" لجذب المتابعين. هذا السلوك يفرغ الأدب من جوهره الرسالي، ويسلع الكلمة، ويجعل من المعايير الجمالية البصرية طاغية على المعايير الجمالية الأدبية.

الكاتبة الواعية وعلامات الاستفهام

أمام هذا المشهد، كيف تنظر المرأة الكاتبة الحقيقية إلى هذا الإغراق والتملق؟

أزمة ثقة في التقييم: الكاتبة التي تحترم قلمها وتعرف قيمة ما تكتبه، تشعر بالإهانة عندما تُقابل نصوصها بمديح جاهز ومعلب لا يفكك شفرات نصها ولا يلتفت لجهدها الإبداعي.

حصار "علامات الاستفهام": تدرك الكاتبة الواعية تماماً أن هذا الإطراء المبالغ فيه يترك حولها وحول منجزها ألف علامة استفهام في الوسط الثقافي. وهو حصار وظلم كبير لها، لأن هذه التساؤلات والشكوك في موهبتها لم تكن هي السبب فيها، بل صنعها "تملق" مدير المنصة أو النقاد المزيفين.

الرغبة في النقد الحقيقي: الكاتبة الحقيقية لا تبحث عن إطراء رخيص يغازل شخصها، بل تبحث عن نقد حقيقي وموضوعي يُشير إلى مكامن القوة والضعف في نصها، لأنها ترى في الكتابة مشروعاً فكرياً وليس وسيلة لحصد "الإعجابات".

من كل ما تقدم فإن تنقية الفضاء الأدبي من هذه الممارسات باتت ضرورة ملحة لحماية الأدب النسوي -والأدب عموماً- من التسطيح. على مدراء المنصات أن يدركوا أن تكريم المرأة الكاتبة يكون بالتعامل معها كعقل مفكر وقلم مبدع، لا كأيقونة جمالية في صالة عرض. فالنص الجيد يفرض نفسه بجميل سبكه وعمق فكرته، والتملق لا يصنع أديباً، بل يصنع فقاعة سرعان ما تنفجر أمام أول اختبار نقدي حقيقي.


مشاهدات 61
الكاتب زهير جبر
أضيف 2026/06/28 - 1:00 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 8:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 383 الشهر 27778 الكلي 15903259
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير