نقطة ضوء
إقصاء القريب ورحمة الغريب
محمد صاحب سلطان
في اللحظة التي أكتب فيها هذا العمود، أجد من المناسب القول بإن هذه الرؤية لم تعد تثير العجب، لإن هنالك الكثير ممن تناولوا أمرها، وبينهم القائل (وقد يقصيك ذو رحم وقربى وقد تلقى الحفاوة من غريب).. وهؤلاء لعمري تجدهم في كل زمان ومكان، ينسلون من موقع لآخر كما تنسل الحية من جحر غير معلوم!، وهنا تحمد ربك لإنك إنعزلت عن العالم المريض كي تراقبه بمزيد من السكينة، وربما لكي تفهمه أفضل وتحيط به إحاطة أشمل ، بيد أني، تنتابني الريبة والقلق من هؤلاء، وفضلت أن أقتنع بإنهم يتخبطون بين متاهة المال الذي يزغلل العيون وبين نجاسة موت الضمير، فتتلبسهم الهموم من حيث لا يحتسبون، وعذرا للجوئي إلى مقارنة بهذا الشكل ، فإنها وللأسف الوحيدة التي تخطر ببالي هذه الساعة!، إذ دائما ما أجد نفسي في مواجهة مع أحدهم، لا أرغب في الخوض فيها، ليس لعدم التكافؤ أو الإنكفاء فحسب، بل من باب (إتق شر من أحسنت إليه)، فالعديد من الأشخاص في هذا الزمان، نجدهم أول من يؤذون من سهل لهم باب رزق أو إحتواهم في ظرف صعب، أو قدمهم على نفسه لهذا السبب أو ذاك، وأمد لهم يد العون وأنتشلهم من واقع مرير كانوا يغطسون فيه حد الغرق، المهم تعددت الأسباب ونضحت النتائج على حساب الوفاء ورد الجميل، على الرغم من أنهم يعلمون إنك قامة لا تطالها رؤوسهم المطأطأة، يوم كانوا يلوذون (بسدك) ويتمسحون بذيالك، عطفا وإستعطافا كي تجنبهم مزالق السوء لما هم فيه، وهكذا هم الصغار لا يحبون أن يذكرهم وجود أحد بتاريخهم وبما كانوا فيه، فنجدهم عندما يتبؤون منصب ما، أول ما يتبادر إلى أذهانهم، إبعاد من كانوا لصيقين به، أو عندما يصبح بعضهم كما يقول المثل الشعبي (صار بإظافره طحين)، نراه يقفز على حين غرة، على حقائق واقعه المزري الذي كان يعيش فيه، وعلى الرغم من ذلك أدرك إن التنازع بين البشر، أمر طبيعي لا يمكن إزالته بمقاساة النصيحة والموعظة لمثل هؤلاء، كون شخصياتها هلامية مجبولة على أذى الآخرين، ولا يهدئون إلا بالصراخ والعويل والضجيج، بحيث لا يرتاحون ولا تغمض عيونهم إلا بنغمتها، وأتذكر إن زميلا لنا، كان يورد مثلا حيا عن جار له، لا ينام إلا والضجيج يعتلي منامه، وعندما إستفسر منه مرة، تبين إنه في طفولته كان لا ينام إلا على أصوات الدق على صفيحة معدنية (تنكه) كانت والدته تجمع فيها نفايات الدار، فكانت رحمها الله، تطرق بها فوق رأس صغيرها حتى يغشاه النوم!، وها هو الآن كصاحب جاه ونفوذ مزيف يمارس العادة ذاتها، فلا يسعد له جانب ولا يهدأ له بال إلا على أذى الآخرين وسماع صراخهم، وهؤلاء تتلبس أحدهم الفكرة الدونية ومحاولة إشاعتها، لإنه إن لم يفعل ذلك خشية، أضمر لك حقدا مستترا لاينساه حتى ينتقم، لإنك قلت له يوما (إنك مخطئ ولا بد أن تصلح حالك)، وهؤلاء أيضا يرون إن الإنسان مجبول على التناحر، والتنازع يتشكل في صميم تكوينه، فإذا قل التنازع في محيطه لجأ إلى إصطناع تنازع وهمي ليروح به نفسه! ومثل أولئك ينطبق عليه توصيف العلامة علي الوردي، بالتقلب وتغيير الحال والتلون بقوله (فإذا رأيته يمسك رغيف الخبز ويضعه على جبهته قائلا: الحمدلله على نعمته، فإعلم إنه سوف لن يفعل ذلك في يوم مقبل، ولعله يقبل وجنة الحسناء بدلا من الرغيف، وربما قبل وجنة الدنانير، بلا حمد ولا شكر)!!.
وختاما أذكر بحقيقة تناولها المفكرون والمربون من إن أضعف الناس، ذلك المشغول المنهمك بتحقيق نزواته الآنية!.. والسلام.