الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف يواجه العراق قوائم التلوّث؟

بواسطة azzaman

كيف يواجه العراق قوائم التلوّث؟

موج اياد

 

في اطراف العاصمة العراقية حيث كانت الارض يوما ما تفيض بالخضرة وتتنفس بايقاع المواسم تقف اليوم امراة خمسينية تحدق في تربة فقدت لونها تقول بصوت منخفض «حاولنا الا ان الارض لا تعطي محصولا» هذه الشهادة ليست سوى مدخل لحكاية اوسع تتجاوز تجربة فردية لتكشف عن ازمة بيئية مركبة تضرب عمق الريف العراقي وتضع العاملين في الزراعة في مواجهة مباشرة مع التلوث وشح الموارد، لم يعد التلوث في العراق حدثا طارئا او ظاهرة عابرة بل تحول الى واقع يومي متعدد المصادر فالى جانب الانبعاثات الصادرة عن النشاطات النفطية تنتشر محارق النفايات غير النظامية وتتكدس المخلفات في مساحات مفتوحة بينما تتسلل المياه الملوثة الى الحقول في هذا المشهد لم تعد الارض وحدها الضحية بل كل من يعتمد عليها في العيش.

ازمة تتسع بالارقام

تكشف بيانات الجهاز المركزي للأحصاء عن تراجع حاد في المساحات الزراعية المروية اذ انخفضت من نحو 2.5 مليون دونم الى قرابة 1.5 مليون دونم بحلول عام 2024 وتشير البيانات الى ان هذا التراجع لا يرتبط فقط بشح المياه بل ايضا بتدهور نوعية التربة بسبب التلوث وارتفاع الملوحة

وفي عام 2026 لا يستغل فعليا سوى 46 بالمئة من الاراضي الصالحة للزراعة ما يعني ان اكثر من نصف الاراضي القابلة للانتاج خرجت من الخدمة بالتوازي تحذر بيانات وزارة التخطيط ان التصحر يهدد نحو 96.5 مليون دونم من الاراضي بينها اكثر من 40 مليون دونم متصحرة فعليا وتوضح ان هذا التدهور ناتج عن تداخل عوامل التلوث وسوء ادارة المياه والجفاف ما يؤدي الى فقدان الارض لقدرتها الانتاجية بشكل تدريجي هذه الارقام لا تعني فقط خسارة في الانتاج الزراعي بل تعكس تحولا عميقا في بنية الريف حيث تتقلص فرص العمل وتتآكل مصادر الدخل خاصة للنساء اللواتي يشكلن نحو 23 بالمئة من القوى العاملة الزراعية وفق تقرير المساهمات الوطنية المحدثة للعراق لعام 2026 المقدم الى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ يؤكد ان التغير المناخي والتلوث معا يدفعان الزراعة نحو التراجع ويهددان سبل العيش في المناطق الريفية

الماء بداية الانهيار

تعتمد مناطق زراعية واسعة شمال بغداد مثل التاجي على مياه نهر دجلة التي تدار عبر منظومة مائية تنطلق من سدة سامراء الا ان انخفاض مناسيب النهر خلال السنوات الاخيرة ادى الى تراجع الامدادات المائية ما دفع المزارعين الى اللجوء الى المياه الجوفية لكن هذا البديل لم يكن امنا فالمياه المستخرجة من الابار غالبا ما تحتوي على نسب مرتفعة من الاملاح والمعادن وهو ما تشير اليه تقارير منظمة الأغذية والزراعة التي تؤكد ان اكثر من 60 بالمئة من الاراضي الزراعية في وسط وجنوب العراق تعاني من ملوحة مرتفعة نتيجة استخدام مياه غير صالحة للري ما يؤدي الى تدهور التربة وتراجع انتاجيتها بشكل مستمر ومع غياب مصادر سطحية كافية لتعويض هذا النقص تدخل الاراضي الزراعية في حلقة تدهور يصعب كسرها حيث تتراكم الاملاح وتفقد التربة قدرتها على الانتاج في جنوب بغداد لم تعد الخسارة مقتصرة على المحاصيل اذ تشير شهادات ميدانية الى تراجع في انتاجية الثروة الحيوانية مع تسجيل حالات ضعف في التكاثر لدى الابقار اضافة الى انتشار امراض جلدية بين السكان نتيجة استخدام المياه الملوثة

هذا التدهور المزدوج في الزراعة وتربية المواشي يضرب الاقتصاد المنزلي للريف في الصميم حيث تعتمد الاسر بشكل شبه كامل على هذه الموارد لتامين احتياجاتها اليومية كما يحذر برنامج الامم المتحدة للبيئة ان التلوث في العراق لم يعد مقتصرا على مصدر واحد بل هو تلوث مركب ينتقل من الهواء الى الماء ثم الى التربة ومن بعدها الى الغذاء ما يزيد من حجم الخسائر الصحية والاقتصادية على حد سواء ومع تراجع الانتاج تضطر العائلات الى الاعتماد على السوق لتامين الغذاء بعد ان كانت مكتفية ذاتيا ما يزيد من الاعباء الاقتصادية في بيئة تعاني اصلا من محدودية الفرص.

تشوهات الأجنة في الاهوار

يقول الناشط البيئي مرتضى الجنوبي ان القرى القريبة من الحقول النفطية، ومنها المناطق المحاذية لهور الحويزة وحقل الحلفاية، تتعرض لانبعاثات مستمرة من الشعلات الغازية ومخلفات نفطية تغطي الأجواء. ويوضح الجنوبي أنه خلال عمل ميداني لتوثيق الواقع البيئي، تم رصد حالات ولادات غير طبيعية في بيوت لا تبعد سوى مئات الأمتار عن الحقول. الجنوبي يشير إلى أن التلوث لا يتوقف عند حدود الولادات، بل يمتد إلى أمراض تنفسية وسرطانية، إضافة إلى تأثيرات على التربة والمزروعات في القرى المحيطة بالاهوار حيث تتوسع الحقول النفطية تتعرض المجتمعات المحلية لانبعاثات مستمرة من الشعلات الغازية ومع غياب الرقابة الكافية تتحول هذه المناطق الى بيئات عالية الخطورة خاصة للنساء اللواتي يقضين ساعات طويلة في الهواء الطلق.المتحدث باسم وزارة البيئة لؤي المختار تحدث عن استراتيجية شاملة لمواجهة شح المياه والتغير المناخي، مؤكدًا أن الأزمة البيئية تمس “وجود البشر والنمو الاقتصادي”، وأن الحكومة تمضي بخطط للحد من الانبعاثات وتحسين الاستدامة الزراعية ويشير المختار الى وجود خطط لمعالجة الانبعاثات وتحسين ادارة الموارد المائية في العراق

ومن جهة وزارة الزراعة، أقر الوزير عباس جبر العلياوي بأن التغير المناخي يتسبب بخسارة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية سنويًا، وأن الدولة تتجه لاعتماد تقنيات ري حديثة وزراعة ذكية لمواجهة التحديات

مستقبل على المحك

تشير بيانات وزارة التخطيط الى ان اكثر من 55 بالمئة من مساحة العراق معرضة للتصحر فيما تحولت مساحات واسعة بالفعل الى اراض غير صالحة للزراعة ومع استمرار هذا الاتجاه تتزايد المخاوف من فقدان الامن الغذائي وتوسع رقعة الفقر

لكن خلف هذه المؤشرات تقف قصة انسانية اعمق نساء يستيقظن قبل الفجر يعملن في ظروف قاسية ويواجهن خسارة تدريجية لكل ما اعتمدن عليه في حياتهن.

في العراق لم تعد الازمة مجرد تراجع في الانتاج او خلل بيئي بل تحولت الى سؤال وجودي حين تتخلى الارض عن اصحابها كيف يمكن لمن عاشوا عليها ان يعيدوا تعريف حياتهم.

 


مشاهدات 92
الكاتب موج اياد
أضيف 2026/04/28 - 2:48 PM
آخر تحديث 2026/04/29 - 2:55 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 619 الشهر 25918 الكلي 15243991
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير