ثقافة الفرجة
احمد فاتح محمد
الإنسان الذي لا يفعل شيئاً ليس كسولاً بالضرورة — ربما هو مشغول جداً بالمشاهدة.
نحن شعب ذو موهبة نادرة في الفرجة. موهبة لا تحتاج تدريباً ولا تعليماً ولا حتى كرسياً مريحاً.
نقف على أقدامنا ساعات طويلة لنرى حادثة سيارة، ونتدافع لنرى شجاراً في الشارع، ونتحلق حول أي مشهد بسرعة تفوق سرعة سيارة الإسعاف التي لا تأتي. الفرجة عندنا ليست فضولاً — هي هوية.
كانت الفرجة قديماً تحتاج على الأقل جهداً جسدياً — أن تقوم، أن تمشي، أن تصل. أما اليوم فقد تحررت من هذا العناء كله. تجلس في بيتك، وتُصوِّر من شرفتك، وتنشر قبل أن ينتهي المشهد. والكاميرا لا تكذب — لكنها لا تساعد أحداً أيضاً.
حين سقط الرجل في الشارع، كانت الهواتف أسرع من الأيدي. حين اشتعل الحريق، كان المصوِّرون أكثر من المطفئين. حين بكت الأم على ابنها، كان هناك من يضبط الإضاءة.
نحن لا نُساعد — نحن نُوثِّق. ولدينا مبرر فلسفي جاهز: “لكي يعرف العالم.” والعالم لا يعرف، ولا يهتم، ولكن المبرر يريح الضمير.
أرسطو قال إن المأساة تُطهِّر المشاعر — يراها الإنسان فيبكي فينقى. لكن أرسطو لم يعرف مجتمعاً يرى المأساة ويضحك، يُشاركها ويعلِّق عليها بإيموجي ويمر. التطهير الذي تحدث عنه تحوّل عندنا إلى تبلّد — نشاهد الألم كثيراً حتى لم يعد يؤلمنا.
والأخطر من الفرجة على المصائب هي الفرجة على الحياة كلها. نحن نتفرج على السياسة ولا نتغير. نتفرج على الفساد ولا نتحرك. نتفرج على أحلامنا تموت ونقول: (هذا زمانه).
الفرجة عندنا ليست موقفاً مؤقتاً — هي فلسفة حياة كاملة، فلسفة تقول: أنا هنا، وأرى، ولكنني لست مسؤولاً عن شيء.
كامو قال إن المشكلة الفلسفية الوحيدة الجدية هي لماذا لا يَنتحر الإنسان. ربما الجواب عندنا بسيط: لأنه مشغول بالفرجة على انتحار غيره.
والهاتف مرفوع. والتسجيل جارٍ. والحياة تمر.
ولا أحد يتحرك.