الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جمهورية القوانين المعطّلة..دولة تشرّع كل شيء ولا تنفّذ أي شيء

بواسطة azzaman

جمهورية القوانين المعطّلة..دولة تشرّع كل شيء ولا تنفّذ أي شيء

موفق البياتي

 

لم يكن العراق يوما بلدا عاديا تقاس حكاياته بمقاييس الدول ، بل كان دائما اكبر من حدوده ، واثقل من خرائطه ، واعمق من ان يختزل في توصيف جغرافي او ظرف سياسي معين ، ففي العراق لا يوجد نقص في النصوص القانونية ، بل فيه فائض منها يمتد من دستور نافذ وقوانين متراكمة وهيئات رقابية الى تعليمات وانظمة لا تنتهي ، ومع ذلك تظل النتيجة واحدة لا تتبدل : دولة تملك كل مفاتيح النهوض على الورق لكنها تنكفئ عاجزة امام اختبار الواقع ، واصل الداء في ذلك ابعد من الجغرافيا و التاريخ ، واعمق من ان يختزل في درس من دروس القانون ، بل في العجز عن تحويل كل ذلك الى فعل في سوء استعمال السلطة التقديرية وتعطيل النص القانوني عمدا او في احسن تقدير افراغه من مضمونه .

فمن مفارقات البناء الدستوري ، وعلى نحو يثير الدهشة ما قررته المادة (111)  من الدستور « ان النفط والغاز هو ملك الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات « وان هذا النص ملزم وليس مجرد تقرير نظري لا يجاوز الورق ، نجد ان ادارة هذه الملكية جرت عمليا خارج معيار « المنفعة العامة « التي اوجبته المادة ( 112 ) منه وذلك غياب قانون اتحادي شامل  للنفط والغاز يضع قواعد واضحة لادارة هذه الثروة وتوزيعها ، فكانت النتيجة وبامتياز فراغا تشريعيا متعمدا او تسترا غير مقصود على خلل بنيوي في المنظومة القانونية اديا الى تضارب في الاختصاصات ، وتآكل تدريجي لمبدأ وحدة السياسة الاقتصادية الذي انتهى الى اقتصاد ريعي يعتمد بنسبة 85 - 90 بالمئة من ايراداته على النفط وفقا لتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، والذي يعني قانونا ان الدولة تدير ملكية عامة من دون اطار قانوني مكتمل ، وانها عمليا تسلم مصيرها لسعر عالمي متقلب ومضطرب اولاً، ثم موازنات متعاقبة ارغمت برمتها الى تغليب الانفاق التشغيلي على الاستثماري وبنسب تتجاوز في كثير من الاحيان 70 بالمئة من اجمالي الانفاق ، وبما يتناقض مع قانون الادارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019 الذي اوجب ضمن مبادئ الانضباط المالي ، ربط الانفاق بالاهداف وادارة العجز والدين وفق قواعد واضحة .

انحرف عن التشريع

ان تغليب الانفاق التشغيلي على الاستثماري و بهذا الشكل المفزع لم يكن خيارا فنيا بريئا ، بل هو انحراف عن غاية التشريع ، فالقانون لم يُسن لتكريس الاستهلاك وانما  لبناء الاستدامة المالية، وانه عندما يتحول النص الى غطاء لممارسة تناقض روحه ، فنكون جميعاً عندئذ امام اساءة استعمال للسلطة ، وليس مجرد خطأ اداري عابر وهذا ما يتأكد في ملف ادارة المال العام .

فالدستور العراقي الزم الدولة بموجب المادة ( 27 ) منه بالحفاظ على المال العام . وانه جرّم التفريط به ، وامتد هذا التجريم في القوانين العقابية التي نهلت من روحه ومع ذلك يتكرس الفساد كظاهرة بنيوية يكشفها بلا مؤاربة موقع العراق المتأخر في مؤشر مدركات الفساد الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية .

واذا كان النص القانوني قد اخفق في كبح ظاهرة الفساد في العراق ، فأن تعدد الهيئات الرقابية، وفي مقدمتها هيئة النزاهة و ديوان الرقابة المالية وسواهما من هيئات لم ينتج اثرا رادعا يتناسب مع مستوى اتساعها على ارض الواقع ، وهذا يفضي الى ان ادوات المساءلة وعلى الرغم من انها موجودة لكنها غير فاعلة بالقدر الكافي، او ان بعض مفاصلها امكن تعطيله بفعل تدخلات سياسية ، وهو ما يفرغ مبدأ سيادة القانون من محتواه العملي . وفي ميدان الاستثمار،فان الخلل يبلغ ذروته حين يعجز النص عن صناعة واقع يوازيه ، فعلى الرغم مما قرره قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 من ضمانات وتسهيلات لجذب رؤوس الاموال .

فان واقع البيئة الاستثمارية يكشف عن عجز بيّن في ترجمة نصوصه الى اثر ملموس ، وعن اختلال في انفاذ النص القانوني بسبب تعدد جهات المنح وتضارب الصلاحيات وبطء ممل في سير الاجراءات، هذا فضلا عن ضعف حماية المستثمر عند النزاعات وبما يفرغ الضمانات الاستثمارية من مضمونها الحقيقي، فتنتهي الحصيلة على الدوام الى مفارقة صارخة :  قانون واعد وواقع نافر طارد ، وهو ما يعد في ميزان التحليل القانوني اخفاقا اداريا في انفاذ الالتزامات الاجرائية التي انشأها القانون ذاته .

 اما في نطاق القطاع المصرفي فان الصورة تتجلى على نحو اكثر وضوحا ، حيث ارسى قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 اطارا واعدا لتنظيم العمل المصرفي في العراق ، الا ان البنك المركزي وعلى الرغم من انه قد خطى خطوات ملحوظة في ترسيخ معايير الامتثال وتعزيز قواعد الحوكمة المؤسسية، الا أن واقع النفاذ الى الخدمات المالية ما يزال محدود الاثر ، الامر الذي ابقى شرائح واسعة خارج المنظومة المصرفية الرسمية ، فيما يواصل الاقتصاد النقدي بسط هيمنته على مفاصل النشاط الاقتصادي في مفارقة تكشف عن فجوة عميقة بين النصوص التنظيمية والتجليات التطبيقية ، وبالتالي بقاء الاقتصاد النقدي هو الحاكم الفعلي لدورة المال في مشهد يعكس اختلالا بنيويا بين ادارة التنظيم وعجز التنفيذ

رسم سياسة

وفي ميدان الاختصاصات الاتحادية اناط الدستور العراقي بموجب المادة ( 110 ) صلاحية رسم السياسة التجارية بشقيها الداخلي والخارجي بوصفها احدى تجليات السيادة الاقتصادية واداة لضبط ايقاع السوق وتوجيه مساراته، غير ان ضعف البنية اللوجستية وتعثر مشاريع الربط الاقليمي يكشفان عن ان الاشكالية لا تكمن في غياب النصوص او نقص في الصلاحيات ، بل في هشاشة البنية التنفيذية التي تعجز عن تحويل الاختصاصات الممنوحة دستوريا الى سياسات اقتصادية منتجة وفعالة ، حيث تبقى الصلاحيات حبيسة الاطار النظري ، ما لم تستند الى مؤسسات كفوءة وآليات تنفيذ رصينة وارادة ادارية قادرة على تفعيلها ضمن رؤية اقتصادية متكاملة ، ومن ثم  فأن الخلل الحقيقي لا يتأكد بصورة جلية الا من خلال فجوة الاداء بين النص والتطبيق ، حيث تتوافر الادوات القانونية  ولكن تغيب القدرة المؤسسية على استثمارها ، فتتحول الصلاحيات الى عبء شكلي بدلا من ان تكون اداة فاعلة في تحقيق التنمية والتكامل الاقتصادي .

 وهكذا فأن الخلل لم يعد في قلة النصوص و لا في ندرة الموارد ، بل في فجوة صارخة بين ما يدون من نصوص وما ينفذ منها ، فالقانون في العراق ليس عاجزا في ذاته ، انه معطل في اثره ، فنصوصه  تُستدعى عند الحاجة وتغيٌب عند التطبيق ، وهنا تتجلى الحقيقة المرة ، حقيقة اننا لسنا امام ازمة تشريع بقدر ما نحن امام ازمة حوكمة تفرغ القاعدة القانونية من روحها ، وتجعل الدولة تبدو وكأنها تملك كل شيء ، لكنها عاجزة عن ان تفعل اي شيء.

قاض متقاعد


مشاهدات 85
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/04/11 - 1:18 AM
آخر تحديث 2026/04/11 - 4:16 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 630 الشهر 9085 الكلي 15227158
الوقت الآن
السبت 2026/4/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير