الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا فلسطين ؟

بواسطة azzaman

لماذا فلسطين ؟

حيدرُ عبدِ الرحمنِ الربيعيِّ

 

ليستْ فلسطينُ أرضًا تُحتلُّ فحسبْ، بل معنىً يُستهدفُ.

وما يُستهدفُ في المعنى، أخطرُ ممّا يُغتصبُ في الجغرافيا.

حينَ نسألُ: لماذا فلسطينُ؟

فنحنُ لا نسألُ عن حربٍ، بل عن سرٍّ

سرِّ هذهِ البقعةِ التي كلّما أُريدَ لها أن تنطفئَ، اشتعلتْ أكثرْ.

وربما

لأنَّ فلسطينَ ليستْ بدايةَ الحكايةِ، بل وصيّتُها.

كانَ أبي… عبدُ الرحمنِ مجيدٌ الربيعيُّ،

لا يذكرُ فلسطينَ كما تُذكرُ الأوطانُ،

بل كما يُذكرُ الغائبونَ الذينَ لا يغيبونْ.

كانَ إذا مرَّ اسمُها،

سكتَ قليلًا

وكأنَّهُ يُنصتُ لشيءٍ لا نسمعُهُ.

لم يُعلّمني أن أحبَّها،

بل جعلَ حبَّها يحدثُ فيَّ… دونَ إذنٍ.

كانَ يحملُها لا كقضيّةٍ،

بل كأمانةٍ.

وحينَ رحلَ

أدركتُ أنَّ بعضَ الآباءِ

لا يورِّثونَ أبناءَهم أسماءَهم فقط،

بل يورِّثونَهم جراحًا مضيئةً… لا تُشفى.

ومنذُ ذلكَ الحينِ،

لم أعدْ أبحثُ عن فلسطينَ في الخرائطِ،

بل في قلبي… حيث تركَها أبي

وديعةً لا تضيعْ.

لأنَّها ليستْ أرضًا… بل مرآةٌ.

مرآةٌ يرى فيها العالمُ صورتَهُ الحقيقيّةَ:

الظالمُ يرى ظلمَهُ عاريًا،

والخائفُ يرى جبنَهُ مكشوفًا،

والصادقُ يرى امتحانَهُ.

فلسطينُ لا تكشفُ نفسَها… بل تكشفُنا.

لأنَّها عقدةُ النورِ في قلبِ التاريخِ.

كلُّ الرسالاتِ مرَّتْ من هنا،

وكأنَّ السماءَ اختارتْ هذهِ الأرضَ لتكونَ موضعَ اللقاءِ بينَ الترابِ والوحيِ.

ومن يملكُ نقطةَ اللقاءِ… يظنُّ أنَّهُ يملكُ المعنى كلَّهُ.

لهذا لم يكنِ الصراعُ على فلسطينَ صراعَ حدودٍ،

بل صراعًا على "تأويلِ السماءِ".

ولأنَّها… امتحانُ القادةِ قبلَ الشعوبِ.

لم تكنِ الحكايةُ يومًا

حكايةَ سيوفٍ تتقاطعُ،

بل قلوبٍ تُوزَنُ.

مرَّ بها من لبسوا دروعًا لامعةً،

لكنَّهم دخلوا بقلوبٍ مُثقلةٍ بالظلمِ

فلم تفتحْ لهم،

كأنَّ الأرضَ تعرفُ من يمشي عليها.

ومرَّ بها آخرونَ،

قلَّ سلاحُهم… لكنَّ عدالتَهم كانتْ أوضحَ من سيوفِهم،

فانحنتْ لهمُ اللحظةُ،

وكتبَهمُ الزمنُ في سطرِ البقاءِ.

كأنَّها تقولُ سرًّا:

لا يدخلُني من غلبَ غيرَهُ،

بل من غلبَ نفسَهُ.

وكأنَّ التاريخَ كلَّهُ يهمسُ:

ما ضاعَتْ فلسطينُ حينَ ضعُفَ السيفُ،

بل حينَ اختلَّ الميزانُ.

لأنَّها تختبرُ الإنسانَ في أعمقِ ما فيهِ:

هلْ هو مع الحقِّ حينَ يكونُ مُكلفًا؟

أم مع الصمتِ حينَ يكونُ مُريحًا؟

في فلسطينَ، لا منطقةَ رماديّةَ

إمّا أن ترى، أو تختارَ العمى.

لأنَّها آخرُ ما تبقّى من نقاءِ الحكايةِ.

في زمنٍ اختلطتْ فيهِ الحقائقُ،

تبقى فلسطينُ واضحةً كجرحٍ طازجٍ:

ضحيّةً بلا أقنعةٍ،

وجلادًا لا يحتاجُ إلى تبريرٍ.

ولهذا تُزعجُ

لأنَّها لا تسمحُ للعالمِ أن يختبئَ خلفَ تعقيداتِهِ.

لأنَّها تذكيرٌ دائمٌ بأنَّ القوّةَ ليستِ الحقيقةَ.

كمْ من إمبراطوريّةٍ مرَّتْ من هنا واعتقدتْ أنَّها الخاتمةُ،

ثمَّ ذهبتْ

وبقيتْ فلسطينُ،

كأنَّها تقولُ:

الزمنُ لا يُقاسُ بمن يحكمُ، بل بمن يصبرُ.

لأنَّها تُعيدُ تعريفَ الإنسانِ.

في أماكنَ أخرى، يُقاسُ الإنسانُ بما يملكُ،

أمّا هنا… فيُقاسُ بما يحتملُ.

الطفلُ الذي يولدُ تحتَ القصفِ،

والأمُّ التي تُشيّعُ ولدَها وتقولُ: "الحمدُ للهِ"،

ليسوا مشاهدَ عابرةً

بل إعادةُ صياغةٍ لمعنى الإنسانِ نفسِهِ.

لأنَّها ليستْ قضيّةَ شعبٍ… بل سؤالَ ضميرٍ.

ومن يظنُّ أنَّها شأنُ الفلسطينيّينَ وحدَهم،

لم يفهمْ أنَّ القضايا الكبرى

لا تخصُّ أصحابَها،

بل تخصُّ من بقيَ فيهِ شيءٌ من إنسانٍ.

ولأنَّها… امتحانُ الحبِّ.

ليسَ الحبُّ العاطفيُّ، بل الحبُّ الذي يعني الانحيازَ للحقِّ،

حتى لو لم يُصفِّقْ لكَ أحدٌ،

حتى لو خسرتَ راحتَكَ،

حتى لو بقيتَ وحدكَ.

لماذا فلسطينُ؟

لأنَّها المكانُ الذي تُختبرُ فيهِ الكلماتُ:

هلْ هي صلاةٌ… أم ضجيجٌ؟

هلْ هي موقفٌ… أم ترفٌ لغويٌّ؟

فلسطينُ ليستْ قضيّةً تُحلُّ،

بل حقيقةً تُعاشُ.

وكلُّ من مرَّ بها،

إمّا أن يخرجَ إنسانًا أكثرَ

أو لا يخرجْ.

لهذا

لم تكنْ يومًا مجرّدَ أرضٍ تُحتلُّ،

بل كانتْ دائمًا

قلبًا يُمتحنُ بهِ العالمُ،

ووصيّةً تسيرُ من الآباءِ إلى الأبناءِ،

كما سارتْ إليَّ

صامتةً

لكنْ يقينيّةً كالنورِ.

 

 


مشاهدات 144
الكاتب حيدرُ عبدِ الرحمنِ الربيعيِّ
أضيف 2026/04/11 - 1:09 AM
آخر تحديث 2026/04/11 - 1:02 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 489 الشهر 8944 الكلي 15227017
الوقت الآن
السبت 2026/4/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير