اعلان حالة الحرب او الطوارىء في ظل دستور 2005
احمد طلال عبد الحميد البدري
نظم دستور جمهورية العراق لسنة 2005 موضوع اعلان حالة الحرب وحالة الطوارىء ضمن الاختصاصات المناطة بمجلس النواب في المادة (61/ تاسعاً) منه ، وتضمن تحديد الجهة المختصة بطلب اعلان هاتين الحالتين ، والجهة المختصة بالموافقة ، ومدة الاعلان والتمديد ، والصلاحيات المفوضة لرئيس الوزراء ، والرقابة على الاجراءات والتدابير المتخذه من رئيس الوزراء خلال هذه المدة ، وهذا ما سنحاول القاء الضوء عليه في هذه المقالة الموجزة ، وكما يأتي:
1. اناط دستور جمهورية العراق لسنة 2005 طلب اعلان حالتي الحرب والطوارىء بطلب مشترك من فرعي السلطة التنفيذية وهم كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ، باعتبار ان رئيس الجمهورية هو المسؤول عن المحافظة على استقلال العراق وسيادته وسلامة اراضيه وفق الدستور استناداً للمادة (67) من الدستور ، كما ان من اختصاصات رئيس الجمهورية وفق المادة (73/تاسعاً) من الدستور ممارسة مهمة القيادة العليا للقوات المسلحة حتى وان كان ذلك لاغراض تشريفية او احتفالية ، اما بالنسبة لرئيس الوزراء بأعتباره المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة والقائد العام للقوات المسلحة استناداً للمادة (78) من الدستور ، ولم نجد في اختصاصات كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء اي نص يخولهما اعلان حالتي الحرب والطوارىء ويقتصر دورهما على طلب الاعلان من الجهة المختصة باعتبار السلطة التنفيذية على تماس مباشر بالتهديدات التي تمس امن وسيادة اراضي جمهورية العراق.
2. ان الجهة المختصة باعلان حالة الحرب او حالة الطوارىء هو مجلس النواب العراقي وبأغلبية خاصة وهي اغلبية الثلثين ، والسبب في اناطة هذا الاختصاص بمجلس النواب هو يرجع الى اعتناق الدستور العراقي النظام البرلماني ومحاولة واضعي الدستور لاسباب تاريخية وسياسية تركيز كل الصلاحيات لدى الهيئة التشريعية باعتبارها ممثلة لارادة الشعب ، بعد ان كانت السلطتين التشريعية والتنفيذية مركزة في مجلس قيادة الثورة (المنحل) في ظل دستور 1970 المؤقت (الملغى) ، اما اختيار هذه الاغلبية فيرجع لخطورة مثل هذه القرارات والتي يتطلب تحقق مثل هذه الاغلبية كحد ادنى .
3. ميز المشرع الدستوري بين حالة الحرب وحالة الطوارىء في المادة (61/تاسعاً) ثم اسهب في ايراد الاحكام الخاصة بحالة الطوارىء من حيث المدة وجواز تمديدها والاجراءات المفوضة لرئيس الوزراء والرقابة عليها من من قبل البرلمان واغفل ذكر الاجراءات المتعلقة بالحرب ، والحقيقية ان مثل هذا التمييز لم يكن موفقاً من وجهة نظرنا لان الحرب احد صور الظروف الاستثنائية التي تبرر الخروج عن قواعد المشروعية لمواجهة هذا الظرف الاستثنائي من خلال توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية والعمل بما يعرف بمشروعية الازمات ، ولذلك نجد ان مجلس الدولة الفرنسي اطلق على الظروف الاستثنائية اسماء مرادفه كـ (سلطات الحرب) ، فالظرف الاستثنائي كمبرر للخروج عن قواعد المشروعية كحالة واقعية غير عادية قد تكون كحالة الحرب او الكوارث الطبيعية والاوبئة او القلاقل والفتن الداخلية التي من شأنها ان تؤدي الى اندلاع حرب اهلية ، وفي جميع الاحوال لم يكن هناك داع لمثل هذا التمييز لان الدستور لم يمنح السلطة التنفيذية تفويض باصدار انظمة الضرورة لمجابهة هذا الظرف الاستثنائي وبقي الامر مرهون في جميع الاحوال بموافقة البرلمان ورقابته ، وهذا يعكس مدى الاخفاق التشريعي لواضعي الدستور للاحاطة بموضوع مجابهة الظرف الاستثنائي او الطارىء ، حيث تم تجريد السلطة التنفيذية من كل مكنة لمواجهة مثل هذا الظرف واكتفى باعطاء السلطة التنفيذية صلاحية اصدار الانظمة التنفيذية فقط دون انظمة الاستثناء او الضرورة ، وعلى النقيض نجد ان هنالك تجارب دستورية اسبق قد انتبهت الى ذلك ومنها ما ورد في المادة (16) من الدستور الفرنسي لسنة 1958 التي فوضت رئيس الجمهورية اصدار لوائح الضرورة لمواجهة الظرف الطارىء الذي يهدد مؤسسات الجمهورية الفرنسية واستقلال الامة او استقلال اراضيها او لمواجهة اي خطر جسيم وعاجل يترتب عليه توقف السير المنتظم للسلطات الدستورية ، كما ان المادة (26/3) من القانون الاساسي العراقي لسنة 1925 خولت الملك باصدار مراسيم بموافقة مجلس الوزراء لها قوة القانون لحفظ النظام والامن العام او لدفع خطر عام او لصرف مبالغ مستعجلة ، وايضاً ما نصت عليه المادة (74) من دستور جمهورية مصر العربية لعام 1971 الملغى التي خولت رئيس الجمهورية اتخاذ الاجراءات السريعة لمواجهة اي خطر حال وجسيم يهدد الوحدة الوطنية او سلامة الوطن او يعوق عمل المؤسسات الدستورية شريطه اخذ رأي مجلس الوزراء ورئيسي مجلسي الشعب والشورى ويوجه بيان للشعب ويجري استفتاءاً شعبياً على ما اتخذه من اجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها .
4. نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (61/تاسعاً/ج) منه على قيام مجلس النواب بتفويض رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من ادارة شؤون البلاد خلال مدة اعلان الحرب وحالة الطوارىء وتنظم هذه الصلاحية بقانون بما لايتعارض مع الدستور ، ويلاحظ ان تطبيق هذا النص يقتضي قيام مجلس النواب باصدار قانون ينظم حالتي الحرب والطوارىء ومددها واليات تمديدها و صلاحيات رئيس مجلس الوزراء ونطاقها والرقابة عليها في ظل الظروف الاستثنائية ، وللاسف اخفق مجلس النواب ومنذ صدور دستور 2005 وحتى الان من تشريع مثل هذا القانون ، وان القول بتشريع مثل هذا القانون عند موافقه مجلس النواب على اعلان حالة الحرب او حالة الطوارىء يعتريه صعوبات عملية تتعلق بصعوبة التئام البرلمان خلال الظروف الاستثنائية ، ناهيك عن عدم التوافق السياسي في التصويت عليه انياً وقت وقوع الحرب او الحدث الطارىء والذي يكون عادة مفاجىء وغير متوقع ، وخصوصاً ان مثل هذه الصلاحيات تكون مقيدة للحقوق والحريات العامة ، ان تشريع قانون للطوارىء يعد ضرورة تشريعية اشاح البرلمان نظره عنها ولاسيما ان ان الصلاحيات المخولة لرئيس الوزراء في ظل امر السلامة الوطنية رقم (1) لسنة 2004 امست معطله بعد صدور دستور 2005 .
5. من استقراء الواقع السياسي والدستوري الراهن وازاء تعطيل النصوص الدستورية الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس مجلس الوزراء وتعطل المؤسسات الدستورية ، نجد ان السلطة التنفيذية في ظل حكومة تصريف الاعمال اليومية لاتملك الطلب حالياً من مجلس النواب اعلان حالة الحرب او حالة الطوارىء لان النص يتعلق برئيس الوزراء المرشح من قبل الكتلة النيابية الاكثر عدداً في البرلمان الجديد المنتخب ولاسيما في مثل هذه القرارات المصيرية ، وهذا يتطلب تفعيل النصوص الدستورية واستكمال اجراءات انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة النيابية الاكثر عدداً ليمارس مهامة وصلاحياته الدستورية في ظل الاوضاع الراهنه ، وبخلاف ذلك فأن اي اجراء او تدبير يعد تعطيلاً فعليا للدستور وخروجاً عن قواعد الشرعية في ظل غياب قانون ينظم حالة الحرب او الطوارىء وفي ظل انعدام وجود نص دستوري يفوض السلطة التنفيذية اصدار انظمة الضرورة لمواجة الظروف الاستثنائية ...والله المستعان .