قِيَامَةُ الطِّين
عبد المنعم حمندي
جَفَّتْ مَنَابِعُنَا،
وَغَامَ الضَّوْءُ فِي الشَّمْسِ
فَلَا أُفُقاً نَرَى غَيْرَ الرُّؤُوسِ عَلَى الرِّمَاحْ
كَيْفَ نُتَابِعُ خَطْوَنَا؟
وَصُقُورُنَا كلمى تطير بِلَا جَنَاحْ
وَالأَرْضُ..
تَأْكُلُ وَجْهَنَا المَمْسُوخَ..
فِي نَزْفِ الرِّيَاحْ
فَإِلَامَ نَزْرَعُ فِي الرِّمَالِ عُيُونَنَا؟
وَالعَصْفُ يَجْلِدُنَا..
وَيَصْلِبُ صَرْخَةَ اللَّيْلِ
فَهَلْ يَأْتِي الصَّبَاحْ؟
.....
اللَّيْلُ يَسْكُبُ فِي المَدَى أَوْجَاعَهْ
وَيَرُشُّ عِطْرَ الذِّكْرَيَاتِ عَلَى دَمِي
فَأَرَى الوُجُوهَ تَلُوحُ فِي أُفُقِ المُنَى
خَلْفَ الغِيَابِ..
كَأَنَّهَا طَيْفٌ يُفَتِّشُ عَنْ فَمِي!
تَتَكَسَّرُ الأَحْلَامُ فِي صَمْتِ الذُّهُولْ
مَاذَا تَرَكْتَ لَنَا أَيُّهَا الزَّمَنُ الَّذِي
سَرَقَ الصَّهِيلَ،
وَأَوْدَعَ الأَرْوَاحَ فِي حُفَرِ الوُحُولْ؟
نَحْنُ الَّذِينَ نَسِيرُ فِي مَوْجِ السَّرَابِ
وَلَا وُصُولْ..
يَا أَيُّهَا الحُلْمُ القَتِيلُ..
بِلَا مَخَاضٍ،
لَا دَمٌ يُجْدِي..
وَلَا التَّارِيخُ صَيْفْ!
إِنَّا عَبَرْنَا..
مِنْ حُطَامٍ فِي الرَّمَادِ..
إِلَى رَمَادٍ..
يَمْتَطِي صَهَوَاتِ طَيْفْ!
فَانْفُثْ سُمُومَكَ..
فِي رِئَاتِ الغَيْمِ،
وَاجْعَلْ مِنْ لَظَاكَ..
قِيَامَةً..
تَجْتَاحُ.. كَيْفْ؟
وَعَلَى رَصِيفِ المَوْتِ..
تَنْكَسِرُ الرِّقَابُ بِقَبْضَةٍ مِنْ دُونِ سَيْفْ
.....
يَا أَيُّهَا الوَطَنُ المُسَجَّى..
فِي مَرَايَا الوَهْمِ،
مَحْصُوراً.. بِنَارَيْنِ عَلَى أَلْفِ سُؤَالْ
بَيْنَ السُّدَى.. وَلَظَى المُحَالْ!
أَسْرِجْ دِمَاءَكَ..
لَا نُبُوءَةَ فِي الرِّمَالْ.
أَسْرِجْ دِمَاءَ الخَيْلِ..
فِي عَضُدِ الوَرِيدْ
وَانْفُثْ غُبَارَ الحَرْبِ..
في جَفْنِ شَيْطَانٍ مَرِيدْ
فَمَا تَبَقَّى مِنْ مَوَاتِكَ..
غَيْرُ مِقْصَلَةٍ..
وَشَعْبٌ مِنْ عَبِيدْ!
أَدْمَنَ الأَسْرَ فَمَنْ
فِي الغَيْمِ.. يَمْنَحُهُ جُنُوناً،
يَزْرَعُ التَّارِيخَ مَوْتاً..
كَيْ نَفِيضَ..
بِمَنْ تَمَخَّضَ مِنْ جَدِيدْ.
......
نَحْنُ الذَّبِيحَةُ..
هَذِهِ السِّكِّينُ تَبْرَأُ
مِنْ أَيِّ ذَبْحٍ مُسْتَعَارْ
سَتَشُقُّ بطن الخَوْفِ..
تَمْنَحُهُ لِسَانَ الطَّيْرِ نَارْ
وَتَعُودُ بَغْدَادُ..
الَّتِي انْكَسَرَتْ مَرَايَاهَا..
عَلَى مَرْمَى التَّتَارْ
وَتَكَسَّرَ القَيْدُ الَّذِي أَدْمَى أَصَابِعَهَا
عَلَى جُرْحٍ يَئِنُّ مِنَ الإِسَارْ
هِيَ نَخْلَةُ اللهِ الَّتِي
نَفَضَتْ حَجَرَ الغُبَارْ
مَا كَانَ مَوْتاً..
كَانَ مَحْضَ تَهَيُّؤٍ
لِلفَجْرِ،
حِينَ يَشِعُّ ضَوْءُ الِانْتِصَارْ
تَقْتَاتُ مِنْ صَبْرِ النَّخِيلِ،
وَتَسْتَحِمُّ بِنَارِنَا
نَحْنُ الَّذِينَ تَوَضَّأُوا بِالمِلْحِ..
وَانْتَظَرُوا انْهِمَارَ الغَيْثِ
فِي زَمَنِ الحِصَارْ
سَنَظَلُّ نَحْفِرُ فِي اللَّيَالِي
مَجْرىً لِضِحْكَتِهَا،
وَنَبْنِي مِنْ بَقَايَا اليَأْسِ..
أَجْنِحَةَ المَدَارْ!
يَا أَيُّهَا الحُلْمُ البَعِيدُ..
أَفِقْ..
فَإِنَّ الأَرْضَ حُبْلَى بِالبُرُوقِ،
وَبِالخُيُولِ،
وَبِانْتِظَارَاتِ الفَخَارْ.
.....
الصَّوْتُ يَعْلُو..
وَالجِهَاتُ
تَضِيقُ بِالصَّمْتِ المُرِيبِ، وَبِالعُزَاةْ..
يَا نَهْرُ..
أَسْرِجْ خَيْلَ مَوْجِكَ فِي دَمِي،
فَعَلَى نَزِيفِ الأَرْضِ تَصْحُو..
تَنْفُضُ الأَنْقَاضَ عَنْهَا،
كَيْ تَلِيقَ.. بِنَا الحَيَاةْ.
......