الحركة الفنية في العراق
غارسيا ناصح
تبدو الحركة الفنية في العراق وكأنها توقفت منذ زمن الفنانين التشكيليين الرواد، مثل محمد عارف،و فائق حسن، وإسماعيل الشيخلي، وفرج عبو، وغيرهم من أعمدة الفن التشكيلي العراقي.فبعد زيارتي الأخيرة إلى العراق، وحضوري عددًا من المعارض لفناني أجيال ما بعد الرواد، بل وحتى لفنانين شباب، لاحظت أن كثيرًا من الأعمال المعروضة تبدو امتدادًا مباشرًا لتجارب الرواد. بل إن بعضها يكاد يكون تكرارًا لها، مع اختلافات طفيفة في الخطوط أو التكوين داخل اللوحة. وكأن الزمن التشكيلي توقف عند تلك المرحلة، فلم تتغير الاتجاهات كثيرًا، ولم تتبدل اللغة البصرية إلا بشكل محدود.والمفارقة أن هذا الأمر لا يقتصر على الأعمال الفنية فحسب، بل يمتد إلى الكتابات النقدية المتبادلة بين الفنانين أنفسهم، حيث لا تزال المفاهيم والمرجعيات الجمالية تدور في الفلك ذاته الذي تشكل قبل عقود. ولا يمكن إنكار وجود قلة من الفنانين المبدعين الذين اختاروا أن يشقوا طريقهم الخاص، وأن يبتكروا أساليبهم ويتركوا بصمتهم المعاصرة. غير أن حضورهم يبقى محدودًا قياسًا بحجم المشهد الفني العام. ويبدو أن الظروف السياسية التي مر بها العراق، وكثرة الأحزاب السياسية والدينية، إلى جانب انتشار المؤسسات الفنية والخيرية والاجتماعية، قد دفعت بعض الفنانين إلى الارتباط بهذه الجهات، بحثًا عن دعم مادي أو استقرار معيشي. وربما اعتقدوا أن تحقيق طموحاتهم الفنية يمكن أن يمر عبر تلك المؤسسات أو الأحزاب. لكن هذا الارتباط، في كثير من الأحيان، جعل بعضهم ينشغل بالانتماءات أكثر من انشغاله بتطوير تجربته الفنية، أو متابعة ما يجري في العالم من تحولات فنية وفكرية. ومع تسلّم بعض الفنانين مناصب مؤثرة في المؤسسات الثقافية والدوائر الحكومية، أصبح لهم دور في القبول والرفض، وفي توجيه الذائقة الفنية العامة، وهو ما انعكس على طبيعة المشهد التشكيلي في البلاد، من شماله إلى جنوبه. ولا يمكن إغفال دور الواسطة، التي أصبحت عائقًا حقيقيًا أمام خلق بيئة فنية عادلة، حيث باتت الفرص أحيانًا مرتبطة بالانتماء الحزبي أو المؤسسي، أو حتى الجغرافي، أكثر من ارتباطها بالقيمة الفنية الحقيقية.
وهذا ما يجعل المشهد يبدو أحيانًا وكأننا نائمون في محطات القطارات، ننتظر من يوقظنا، أو من يحملنا إلى مقصورات القطارات لنواصل الرحلة نحو محطة جديدة من محطات الحياة الفنية.
□ تشكيلي