الفنان يخاف على أفكاره أكثر من الموت
صالح رضا
في زمن الحصار والحرب، التقينا في أبو ظبي، حيث جمعتنا الغربة كما جمعتنا من قبل قاعات وأروقة الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد في ثمانينات القرن الماضي. كان اللقاء يحمل نكهة الذكريات ووجع المسافة، وكأننا نستعيد معًا زمنًا كانت فيه الأحلام أكبر من الخوف، والفن أوسع من حدود الواقع.
قال لي يومها بصوتٍ مفعمٍ بالصدق والقلق الإنساني: «أخشى الموت يا صالح…».
فقلت له بعفوية التلميذ المحب: «عمرك طويل إن شاء الله أستاذي الغالي».
ابتسم بهدوءٍ عميق وقال: «لا تفهمني خطأ… كلنا نموت، لكن خوفي الحقيقي أن تموت الأفكار في رأسي قبل أن تخرج إلى النور، أن تدخل معي القبر ولم ينتفع بها أحد».
كان القائل هو أستاذنا النحات العراقي الكبير إسماعيل فتاح الترك، الفنان الذي لم يكن يخشى النهاية بقدر ما كان يخشى أن يرحل قبل أن يسلّم رسالته كاملة إلى الحياة. عندها أدركت أن المبدع الحقيقي لا يعيش لنفسه، بل يعيش لأفكاره، لمشاريعه، لأحلامٍ يرى فيها خلاصه وخلاص ذاكرة وطنه.
لقد فهمت من تلك اللحظة أن الفنان يحمل في داخله زمنًا آخر، زمنًا لا يُقاس بالساعات ولا بالأعمار، بل يُقاس بما ينجزه من أثرٍ يتركه خلفه. فالفنان الحقيقي يؤمن أن الجسد يفنى، لكن العمل الفني يبقى شاهدًا حيًا على روحه، يشهد له أمام الأجيال، ويمنحه حياةً ثانية لا تنتهي.
وهنا يتجلى المعنى العميق لعبارةٍ طالما رددتها:
إن الفن يقهر الزمان.
نعم، يقهره لا بالسيف ولا بالقوة، بل بالجمال والصدق والرؤية. فكم من فنانٍ رحل جسدًا، لكنه بقي حيًا في ضمير الشعوب من خلال عملٍ واحدٍ خلّد اسمه في ذاكرة التاريخ. إننا حين نقف أمام عملٍ فني خالد، فإننا لا نرى الحجر أو اللون فحسب، بل نرى روحًا ما زالت تنبض رغم غياب صاحبها.
وما أعظم الشاهد على ذلك من العمل الخالد الذي أنجزه أستاذنا، ذلك الصرح الذي يقف شامخًا في بغداد، شاهدًا على قدرة الفن على تحويل الألم إلى خلود، أعني به نصب الشهيد؛ هذا النصب لم يعد مجرد عمل نحتي، بل أصبح ذاكرة وطنٍ كاملة، تنطق بالحزن والجمال والسمو في آنٍ واحد. رحل الفنان، لكن النصب بقي يحدّثنا عنه كل يوم، وكأن الحجر نفسه صار لسانًا ينطق باسمه.
إن خوف الفنان من موت أفكاره هو في الحقيقة خوفٌ نبيل، لأنه نابع من إحساسه العميق بالمسؤولية تجاه الإنسانية. فالفكرة التي تولد في رأس الفنان ليست ملكًا له وحده، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية التي ينبغي أن ترى النور لتمنح الآخرين معنى جديدًا للحياة. لذلك فإن كل مشروع فني مؤجل هو حلمٌ مؤجل للإنسانية كلها.
وحين أتأمل مسيرتي الفنية، أدرك أن هذا القلق يسكنني أنا أيضًا؛ فكم من مشروعٍ فني، وكم من لوحة، وكم من رؤيةٍ تتزاحم في رأسي، تطالب بالخروج إلى العلن قبل أن يطويها النسيان. إن الفنان يعيش سباقًا صامتًا مع الزمن، سباقًا لا يراه الآخرون، لكنه يشعر به في أعماقه كل يوم. إنه سباق بين الفكرة والنسيان، بين الحلم والتحقق، بين الفناء والخلود.
غير أن العزاء الحقيقي يكمن في الإيمان بأن العمل الصادق لا يموت. فحين يخلص الفنان لرسالته، ويمنح عمله روحه كاملة، فإن الزمن نفسه يتحول إلى شاهدٍ على عظمة ما أنجز. قد يرحل الجسد، لكن الأثر يبقى، يزداد حضورًا مع مرور السنوات، وكأن الزمن يفسح له المجال ليكبر أكثر فأكثر.
لقد رحل كثير من المبدعين الكبار، لكن الزمان لم يستطع أن يمحو أسماءهم، بل على العكس، صار هو الدليل على عظمتهم. وهكذا يصبح الفن سجلًا خالدًا، تُكتب فيه سيرة الفنان بلغة اللون والحجر والضوء. وكل عمل فني صادق هو وثيقة حياة، تُثبت أن صاحبه مرّ من هنا وترك بصمة لا يمكن للزمن أن يمحوها.
إننا لا نقهر الموت، لكننا نقهر النسيان.
ولا نوقف الزمن، لكننا نترك فيه علامات مضيئة تدل علينا.
وهنا تكمن رسالة الفن الحقيقية: أن يحوّل العمر القصير إلى حضورٍ أبدي، وأن يجعل من اللحظة العابرة ذاكرةً خالدة.
رحل أستاذنا الكبير، لكن الزمن ما زال يشهد له بما قدّمه من أعمالٍ عظيمة. وهكذا سيبقى كل فنانٍ صادق حيًا بأعماله، ما دام هناك إنسان يقف أمامها، يتأملها، ويشعر أن روحًا ما زالت تسكنها.
وهذا هو يقيني الذي لا يتبدل:
الفن يقهر الزمان…
والفنان يرحل، لكن أثره يبقى حيًا إلى الابد.