الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التفاوض السياسي.. حل لقضية أم متاهة لكسب الوقت؟

بواسطة azzaman

التفاوض السياسي.. حل لقضية أم متاهة لكسب الوقت؟

سلوان كامل

 

لم تعد الصراعات البينية شأناً محلياً، ففي عالمنا المتشابك، تمتد شظايا أي نزاع لتصيب مفاصل الاقتصاد والسياسة الدولية، لذا باتت الحاجة ملحة للتفاوض والوصول الى نتائج تضمن حلولاً نهائية او في اقل تقدير تطوق الصراع وتحد من تداعياته ان لم تكن هناك نتائج نهائية للتفاوض.

يعمل المختصون في مجال التفاوض، وهم يعون جيداً انه سيف ذو حدين، أحياناً يكون جسراً للحلول، وأخرى يصبح متاهة زمنية لا نهاية لها، فهل يكون التفاوض وسيلة حقيقية لحل النزاعات، أم أنه مجرد أداة لكسب الوقت وتجميد الصراع؟

السؤال ليس أكاديمياً وبالطبع ليس للترف الفكري، في الظروف التي تكون فيها الاوضاع على شفا حرب طاحنة او عزلة دولية ومأساة اقتصادية يكون وقودها الشعوب، يكون السبيل الوحيد لتجنب الضرر هو التفاوض.

متى يكون التفاوض مسار للحل؟

نظرياً، يُفترض أن يكون التفاوض وسيلة حضارية لتسوية الخلافات، وما يذهب إليه منظرو المدارس الواقعية والليبرالية في العلاقات الدولية، هو اللجوء للحوار بديلاً عن الصراع المسلح، حيث يجلس الخصوم الى طاولة واحدة او عبر وسطاء للوصول إلى حلول وسط، يقدم النموذج الكلاسيكي التفاوض عملية عقلانية يتنازل فيه كل طرف عن بعض المطالب مقابل الحصول على مطالب أخرى، حتى يلتقيان في منطقة وسطى.

فعلى سبيل المثال خلال الحرب الباردة، أنقذ التفاوض العالم من حرب نووية، وفي جنوب أفريقيا، قاد التفاوض بين نظام الفصل العنصري ونيلسون مانديلا إلى تحول سلمي هادف حل قضية استمرت عقوداً من الزمان.

متى يكون التفاوض أداة للمماطلة؟

المشهد المعاصر يقدم صوراً مختلفة لعمليات التفاوض فيتحول إلى «مسرحيات سياسية» ويكون التفاوض غاية لا وسيلة، والأطراف تستخدمه لتجميد الوضع الراهن لكسب الوقت وتحقيق مكاسب على الأرض، أو انتظار تغير موازين القوى.

ومثال ذلك النزاع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يقدم نموذجاً صارخاً لعقود من المفاوضات لم تفضِ إلى حل دائم، بل صاحبها توسع استيطاني مضاعف، يرى بعض المحللين أن إسرائيل استخدمت عملية التفاوض كغطاء لخلق وقائع جديدة على الأرض، بينما استخدمه الجانب الفلسطيني كوسيلة لتثبيت الحقوق الوطنية في المحافل الدولية وضمان البقاء السياسي.  التفاوض هنا تحول من وسيلة حل إلى «إدارة للصراع» بدلاً من انهائه.

ماهي اهم العوامل التي تحدد مسار التفاوض؟

وما الذي يجعل التفاوض حلّاً في بعض الحالات وأداة مماطلة في أخرى؟

للجواب على هذا السؤال يجب ان ننتبه الى معرفة نية الأطراف عند اقدامهم على هذا الاجراء، فعندما يدخل طرف بقصد عدم الوصول لتسوية، يصبح التفاوض مسرحية فالرؤية الواضحة للهدف النهائي ضرورة.

مبدأ توازن القوى يعتبر مساراً مثالياً لعملية التفاوض بين الأطراف المتكافئة، لذا نرى ان هناك اختلاف كبير بين هذا النوع والنوع الاخر الذي يكون فيه التفاوض بين طرف قوي مع طرف اقل قوة، وفي هذه الحالة يستخدم القوي التفاوض وسيلة لفرض شروطه ببطء.

كيف نفرق بين التفاوض الحقيقي والمماطلة؟

من المؤكد ان هناك مؤشرات تدل على تحول التفاوض إلى أداة للمماطلة وكسب الوقت ومن أبرز هذه المؤشرات، تكرار النقاش في قضايا شكلية وإجرائية ومنها، تغيير مكان وزمان التفاوض، او تغيير فريق التفاوض، او عدم تقديم تنازلات حقيقية، و اضافة مقترحات جديدة.

ولابد ان نعلم ان التفاوض هو مرآة النوايا، فالتفاوض في جوهره ليس اجراءً ايجابياً وبذات الوقت ليس سلبياً، بل هو مرآة تعكس نوايا الأطراف، فلكل طرف نتائج يراها فوزاً او خسارة، وعندما تكون النية هي الوصول الى حل، يصبح التفاوض جسراً، وعلى العكس عندما تكون النية المماطلة، يتحول التفاوض إلى متاهة. في النهاية، التفاوض وكل ما ينتج عنه يحتاج إلى شروط و الى تنازلات ربما تكون هذه التنازلات هي مفتاح الحل لدرء خسارة كبرى، او يتحول أي تفاوض إلى مجرد استراحة بين جولات الصراع، أو كما قال أحد الدبلوماسيين: «محادثات من أجل المحادثات».

ربما علينا أن نغير نظرتنا لعملية التفاوض فالتفاوض هو ليس فعلاً سحرياً يحل به كل المشاكل، ولا خدعة دبلوماسية، التفاوض الحقيقي يبدأ عندما تكون جميع الأطراف قد ملت من دفع ثمن الصراع، وآمنت بأن ثمن السبيل للوصول الى السلام بات أرخص

 


مشاهدات 62
الكاتب سلوان كامل
أضيف 2026/02/10 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 3:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 7922 الكلي 13939566
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير