الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صراع بلا رصاص.. لمحة عن العمليات النفسية الأمريكية الإيرانية

بواسطة azzaman

صراع بلا رصاص.. لمحة عن العمليات النفسية الأمريكية الإيرانية

صباح زنكنة

 

شهدت العلاقات الإيرانية الأمريكية أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026 تصعيدًا غير مسبوق في مستوى الخطاب والتهديدات العسكرية المتبادلة في مشهد عكس تحول الصراع من مربع المواجهة الصلبة إلى فضاء العمليات النفسية الهجينة.

 حيث تحولت الكلمة إلى سلاح استراتيجي خطير والرسالة الإعلامية إلى وسيلة ردع لا تقل تأثيرا عن القوة العسكرية القامعة ، ولم تعد الغاية هو الاشتباك العسكري بقدر ما أصبح التأثير في الحس والإدراك وصناعة الانطباعات العامة وإرباك حسابات الخصم وفرض معادلات ردع ذهنية قائمة على التشويش والخوف والضغط النفسي المتدرج.

فقد باتت العمليات النفسية أحد أبرز أدوات الصراع الدولي الحديث حيث تعتمد على توجيه الرسائل السياسية والإعلامية المدروسة بعناية للتأثير في المواقف والعواطف والسلوكيات سواء كان لدى صانع القرار أو الرأي العام الداخلي والخارجي وقد اظهرت التطورات الأخيرة أن واشنطن وطهران تديران صراعا نفسيا مكثفا يعتمد على التهديد بشكل علني والتصعيد الإعلامي وتسريب المعلومات بل وتحريك القطع العسكرية كوسائل ضغط نفسي مدروسة أكثر منها استعدادات فعلية لحرب ميدانية شاملة.

تصريحات نارية

التصعيد الأمريكي الاخير جاء في سياق محاولة استعادة السطوة الردعية عبر إطلاق تصريحات نارية مترافقة مع تحركات عسكرية في الخليج وإعادة نشر القطع البحرية الاستراتيجية في رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى القيادة الإيرانية مفادها أن كلفة التحدي ستكون باهظة وأن البدائل العسكرية لا تزال مطروحة بقوة غير أن هذا الخطاب لم يكن منفصلا عن حسابات السياسة الداخلية الأمريكية ولا عن إدارة الصراع الانتخابي، بل جاء أيضاً في إطار استعراض القوة وتصدير صورة الحزم أمام الداخل الأمريكي والحلفاء الإقليميين

في المقابل جاء الرد الإيراني محسوبا بعناية فائقة قائمًا على معادلة الردع المتوازن حيث حرصت طهران على الجمع بين نبرة التحدي والإصرار على الجهوزية العسكرية وبين تأكيد الانفتاح المشروط على التفاوض وهو خطاب مزدوج يستهدف من جهة تحصين الجبهة الداخلية ورفع مستوى التعبئة النفسية ومن جهة أخرى إيصال رسالة للخارج بأن إيران ليست في موقع الضعف ولا تبحث عن المواجهة لكنها لن تقبل بمنطق الإملاءات والضغوطات.

حرب التصريحات هذه لم تكن مجرد سجال إعلامي بل شكلت أحد أعمدة إدارة الصراع حيث سعت الولايات المتحدة إلى خلق مناخ من القلق الاستراتيجي داخل إيران من خلال تضخيم سيناريوهات الضربة العسكرية الوشيكة وتحريك حاملات الطائرات وتسريب معلومات عن خطط عسكرية محتملة في حين عملت إيران على تفكيك هذا الضغط النفسي عبر بث رسائل الطمأنة الداخلية واستعراض القدرات الدفاعية وربط أي هجوم بتداعيات إقليمية واسعة النطاق بما يرفع كلفة القرار العسكري الأمريكي ويقيد حرية المناورة السياسية

تزامن هذا التصعيد مع اضطرابات داخلية في إيران ما أتاح لواشنطن هامشا إضافيا لإستخدام العمليات النفسية المركبة عبر الربط بين التهديد الخارجي والتأزيم الداخلي في محاولة لإحداث إنهاك واجهاد استراتيجي شامل يضغط على القيادة الإيرانية من الداخل والخارج في آن واحد بينما لجأت طهران إلى إعادة توجيه السردية الإعلامية نحو خطاب المؤامرة الخارجية وتقديم الصراع مع واشنطن بوصفه معركة سيادية وجودية وهو ما يعزز تماسك القاعدة الشعبية للنظام ويحد من تأثير الحرب النفسية الأمريكية.

تبادل رسائل

الإعلام لعب دوراً مركزياً في هذا الاشتباك حيث تحولت المنصات الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لتبادل الرسائل والتهديدات وتسويق سيناريوهات الحرب والمواجهة والترويج لروايات التفوق والردع مما أسهم في رفع مناسيب التوتر النفسي اقليميا ودولياً وأعاد تشكيل المزاج العام وفق إيقاع الرسائل المتبادلة والتسريبات المدروسة بعناية.

في خضم هذا التصعيد عادت المفاوضات النووية غير المباشرة لتظهر بوصفها أداة ضغط نفسي موازية لا بوصفها مسارًا تفاوضيا تقليدياً .

حيث استخدم الطرفان مسار التفاوض لتكريس مواقفهما الاستراتيجية وتثبيت خطوط الردع وليس للوصول السريع إلى تسوية نهائية ما يعكس طبيعة الصراع المركب الذي يجمع بين التهديد والاحتواء والتفاوض في آن واحد.

في المحصلة تكشف هذه المرحلة من الصراع الإيراني الأمريكي أن الطرفين يديران عمليات نفسية شاملة تقوم على توازن دقيق بين التصعيد وضبط النفس وبين التهديد والانفتاح ، وأن الكلمة باتت تضاهي الصاروخ في قدرتها على الردع والتأثير وأن معركة الإدراك أصبحت خط الدفاع والهجوم الأول في صراعات القرن الحادي والعشرين حيث تسعى كل دولة إلى إخضاع خصمها نفسيا قبل التفكير في إخضاعه عسكرياً .

 

 رئيس مركز الخبراء للدراسات الاستراتيجية


مشاهدات 53
الكاتب صباح زنكنة
أضيف 2026/02/10 - 3:52 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 3:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 7923 الكلي 13939567
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير