الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأمن السيبراني .. التحدّيات والمستقبل

بواسطة azzaman

الأمن السيبراني .. التحدّيات والمستقبل

منى يوسف السعدي

 

يشهد عالمنا اليوم تسارعاً بوتيرة غير مسبوقة في ايقاع التكنولوجيا، لذلك لم يعد الامن السيبراني (Cybersecurity) ترفاً تقنياً للمتخصصين فقط، بل اصبح قضية مهمة تمس حياة الناس الخاصة والعامة، واستقرار الشركات والمؤسسات، وشملت ايضاً سيادة الدول حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية في الفضاء الرقمي الذي نعيش فيه اليوم. تبعاً لذلك تحولت البيانات الى مورد لايقل قيمة واهمية عن النفط او المعادن كالذهب. ومن هنا برز الامن السيبراني أو ما يسمى بالدفاع السيبراني (Cyber Defense) كخط الدفاع الرئيسي عن جميع مايتعلق بالفضاء الرقمي حيث يعتبر الحارس غير المرئي المسؤول عن حفظ التوازن في العالم الرقمي وسط فوضى تزايد التهديدات(Threats) . أن دخول التكنولوجيا الرقمية في كل تفاصيل الحياة اليومية تقريباً كأفراد أومؤسسات؛ ابتداءاً من الهواتف الذكية  (Smart Phone) التي لا يمكن الاستغناء عنها  الى انظمة البنوك ، وشبكات الطاقة، والمطارات، والمستشفيات ووسائل الاعلام وغيرها وهذا الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الرقمية خلق واقعاً جديداً حساساً لاي خلل امني يمكن ان يحدث ضرراً واسع النطاق. فمثلاً الاختراق لاي حساب مصرفي لا يمكن ان يعد حادثة فردية معزولة بل يمكن ان يكون بداية لهجوم منظم الهدف منه زعزعة الثقة في النظام المالي بأكمله. كذلك فأن تعطيل موقع إخباري أو منصة حكومية قد يحمل في طياته أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز مجرد العطل التقني. لذلك من المهم لكل فرد في المجتمع معرفة ولو قليلا عن مجال الامن السيبراني.

هجمات رقمية

أن الامن السيبراني في جوهره هو عبارة عن مجموعة من التقنيات والسياسات المصممة لحماية الانظمة والشبكات والبيانات من الهجمات الرقمية. ولكنه في معناه الاوسع، هو وعي وثقافة وسلوك قبل ان يكون تقنيات حماية. لكن مهما بلغت قوة وصلابة النظام الرقمي يبقى العنصر البشري هو الحلقة الاضعف والاكثر عرضة للاستغلال، سواءاً عبر رسائل الاحتيال الالكتروني، أو الهندسة الاجتماعية، أو الاهمال غير المقصود عند التعامل مع البيانات الحساسة وحيث لم تعد تقتصرالتهديدات السيبرانية اليوم على القراصنة الأفراد الذين يبحثون عن مكاسب مالية سريعة، بل تطورت لتشمل جماعات منظمة، وشبكات إجرامية عابرة للحدود، وحتى هجمات ترعاها دول وتسعى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

في السنوات الاخيرة شهد العالم العديد من الهجمات السيبرانية (Cyberattacks) التي عطلت شبكات الكهرباء، و اوقفت انظمة مستشفيات، وسربت ملايين الوثائق السرية، وكشفت بيانات شخصية لملايين المستخدمين. تلك الهجمات لم تكن مجرد احداث عابرة، بل كانت رسائل واضحة أكدت أن الساحات الحديثة للصراع لم تكن تقتصر على البر والجو والبحر بل تعدت الى الفضاء الرقمي. وضمن هذا السياق، أصبح الأمن السيبراني جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي. وبالتالي فأن الدول التي لا تمتلك بنية تحتية رقمية آمنة(Secure Digital Infrastructure)  تكون عرضة للابتزاز، والتجسس، والتخريب. الكثير من الحكومات ادركت هذه الحقيقة، لذلك اهتمت بأنشاء هيئات متخصصة، وقامت بوضع استراتيجيات وطنية  وخصصت مبالغ ضخمة لبناء قدراتها الدفاعية والهجومية في المجال السيبراني.

تحدي مستمر

لذلك اصبح واضحاً أن أي مواجهة عسكرية تقليدية قد يسبقها هجوماً رقمياً صامتاً. وعلى مستوى المؤسسات، فأن الأمن السيبراني يشكل تحديًا مستمرًا، نظراً للتحول الرقمي المتسارع والاعتماد على الحوسبة السحابية والعمل عن بُعد. بناءاً عل ذلك فأن اي نقطة اتصال جديدة ستمثل منفذًا محتملًا للهجوم، وكل نظام غير محدث يمثل ثغرة قد يتم  أستغلالها في أية لحظة. بالتالي، لم يعد الأمن السيبراني مسؤولية القسم التقني، بل مسؤولية إدارية واستراتيجية تبدأ من رأس الهرم المؤسسي، وتنعكس على السياسات، والتدريب، واتخاذ القرار.

أما على مستوى الافراد ، فأنهم يمثلون قلب هذه المعادلة، وكما ذكرنا سابقاً غالبًا ما يكونون الهدف الأسهل للهجمات. فكلمات المرور الضعيفة(Weak Password) ، والاستخدام المتكرر لها، فتح الروابط المشبوهة(Suspicious Links) ، والمشاركة غير الواعية للمعلومات الشخصية، كلها سلوكيات تفتح الأبواب أمام المخاطروالاختراقات الرقمية(Hacks) . وبالتالي فأن أهمية التوعية الرقمية تبرزهنا كخط دفاعي أولي. فالمستخدم الواعي الذي لديه القدرة على التمييز بين الرسائل الحقيقية والمزيفة، وبين المواقع الآمنة والمشبوهة، يساهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن السيبراني بصورة عامة. ومن أكثر القضايا إثارة للجدل في العصر الرقمي والتي لا يمكن الحديث عن الأمن السيبراني دون التطرق إليها هي مسألة الخصوصية(Privacy) ، فبينما تسعى الأنظمة الأمنية إلى جمع البيانات وتحليلها لرصد التهديدات، يخشى الأفراد من أن يتحول ذلك إلى انتهاك لخصوصياتهم وحرياتهم.

ولخلق التوازن الدقيق بين الأمن والحرية يجب وضع تشريعات واضحة، ورقابة فعالة، وحوارًا مجتمعيًا مستمرًا يضمن حماية الحقوق دون التفريط بالأمن من خلال طرح أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة. في السنوات الاخيرة، دخل الأمن السيبراني مرحلة اكثر تعقيداً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي(Artificial Intelligence(AI) ، فقد اصبح الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذو حدين؛ حيث يستخدم في تعزيز الدفاعات، عبر تحليل كميات هائلة من البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، والتنبؤ بالهجمات قبل وقوعها من جهة، ومن جهة اخرى يتم استغلاله من قبل المهاجمين في تطوير هجمات أكثر ذكاءً، ورسائل احتيال أكثر إقناعًا، وبرمجيات خبيثة قادرة على التكيف وتجاوز أنظمة الحماية التقليدية مما أدى الى خلق صراع مستمر بين المهاجم والمدافع. لذلك نحتاج الى  تحديثًا دائمًا للمعرفة والأدوات. ومن ناحية اخرى يواجه الأمن السيبراني تحديات إضافية  في الدول النامية، ويشمل ذلك بعض الدول العربية، تتمثل تلك التحديات في هشاشة وضعف البنية التحتية الرقمية، وكذلك نقص في الكوادر المتخصصة ومحدودية الوعي العام.

مع ذلك يمكن الاستفادة من هذه التحديات كفرصاً حقيقية لبناء اساس قوي وحديث للانظمة من خلال الاستفادة من الخبرات العالمية لبناء استراتيجيات مرنة تتناسب مع الخصوصيات المحلية. من هنا فالاستثمار في الأمن السيبراني لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحة لحماية مسار التنمية والاستقرار. من الجدير بالذكر إن مستقبل الأمن السيبراني مرهون بقدرتنا على فهم طبيعته المتغيرة، والتعامل معه بوصفه عملية مستمرة لا مشروعًا مؤقتًا. فالهجمات ستتطور، والتقنيات ستتغير، لكن الثابت الوحيد هو الحاجة إلى وعي جماعي يربط بين الفرد والمؤسسة والدولة. وهذا الوعي لا يُبنى بالخوف، بل بالمعرفة، ولا يتحقق بالعزلة، بل بالتعاون المحلي والدولي. واخيراً وليس اخراً فأنه يمكن القول إن الأمن السيبراني هو مرآة لعصرنا الرقمي، يعكس نقاط قوتنا وضعفنا، ويكشف مدى استعدادنا لمواجهة تحديات المستقبل. هو ليس مجرد درع يحمي البيانات، بل منظومة قيم وسلوكيات تحمي الإنسان في فضاء افتراضي بات امتدادًا حقيقيًا لحياته الواقعية. وكلما أدركنا هذه الحقيقة مبكرًا، زادت قدرتنا على تحويل التكنولوجيا من مصدر تهديد محتمل إلى أداة آمنة تخدم التنمية، وتعزز الثقة، وتفتح آفاقًا أوسع لعالم أكثر استقرارًا وأمانًا.

 


مشاهدات 52
الكاتب منى يوسف السعدي
أضيف 2026/02/10 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 3:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 7923 الكلي 13939567
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير