الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عبد الحميد العلوجي.. موسوعيٌّ من بغداد حمل ذاكرة التراث بين يديه


عبد الحميد العلوجي.. موسوعيٌّ من بغداد حمل ذاكرة التراث بين يديه

محمد علي محيي الدين

 

ولد الباحث الموسوعي عبد الحميد العلوجي في كرخ بغداد، في منطقة الجعيفر سنة 1924، وفي أزقتها تشكل وعيه الأول، وتفتحت عيناه على بغداد القديمة بما تزخر به من حياة نابضة وموروث شعبي عريق. أكمل دراسته الأولية فيها، ثم التحق بكلية الحقوق، غير أنه لم يمارس مهنة المحاماة، إذ وجد نفسه مأخوذًا بعالم الأدب والتراث، فانصرف إليه بكل جوارحه، ليغدو أحد أبرز الباحثين العراقيين في ميادين التراث العربي والإسلامي.

كان العلوجي من المؤسسين الأوائل لمجلتي "المورد" و"التراث الشعبي"، وهما منارات ثقافية أسهمت في إحياء الوعي بالتراث والهوية العراقية والعربية. تنقل في مناصب ثقافية عديدة، كان آخرها منصب المدير العام للمكتبة الوطنية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم مديرًا عامًا لدار الكتب والوثائق بعد دمجها مع المركز الوطني للوثائق، حتى تقاعده سنة 1993. ترك وراءه مكتبة عامرة تضم نفائس الكتب والمراجع النادرة، من بينها الطبعة الباريسية القديمة لكتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق، وهي من الطبعات الفريدة في العالم العربي. وقد قيل في وصف مكتبته الشهيرة: "من لم يشاهد مكتبة العلوجي، فإنه لا يعرف نصف الدنيا."

أما لقبه "العلوجي" فمشتق من عمله في "علوة" والده مدة عقد من الزمان، وقد حوّلها بعشقه للكتب إلى مكتبة صغيرة كانت نواة مكتبته الكبرى فيما بعد، حتى قيل إن ولعه بالكتاب كان سببًا في خسارة والده لتجارته.

بلغت مؤلفاته (41) كتابًا تنوعت موضوعاتها ما بين التراث الشعبي، والتاريخ الثقافي، والتراجم، والموسيقى، والطب، والنفط، والأدب. ومن أشهر مؤلفاته: حكومات بغداد منذ تأسيسها حتى عصرها الجمهوري (1962) ،  الزوج المربوط (1964)، المواسم الأدبية عند العرب (1965)، من تراثنا الشعبي (1966) ،تاريخ الطب العراقي (1967)، الشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن (1968، بالاشتراك مع عزيز الحجية)، الأصول التاريخية للنفط العراقي (1973، بالاشتراك مع خضير عباس اللامي)، النتاج النسوي في العراق (1974 ـ 1975)، المتحف البغدادي (1975)، المربد: مواسم ومعطيات (1986)، جمهرة المراجع البغدادية (بالاشتراك مع كوركيس عواد)

ومن يطالع مؤلفاته يدرك أن العلوجي كان حديقة معرفية غنّاء، جمعت بين التاريخ والأدب والعلم والفن، إذ كتب عن الموسيقى كما كتب عن الجغرافيا، وغاص في التراث الشعبي كما درس الشخصيات التاريخية التي أسهمت في صياغة ملامح الحضارة العربية.

لقد تميز بأسلوب عربي أنيق، يجمع بين الجزالة والبيان والدقة العلمية، وكان في افتتاحيات المجلات التي رأس تحريرها يفيض نثره بجمال اللفظ وعمق المعنى، حتى عُدّ من كبار المنشئين في العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

عرفه الباحثون والدارسون رئيسًا متواضعًا في دار الكتب والوثائق، يفتح صدره لكل من يقصده، يدلّهم على المراجع، ويعينهم في مسالك البحث والدراسة. وكان كثيرون ممن عملوا معه يرون فيه شخصيةً إنسانية رفيعة، يهمّها العلم أكثر من المنصب، والإفادة أكثر من الشهرة.

كتب عنه الأستاذ حميد المطبعي في موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين كلامًا نفيسًا يلخص شخصيته الفكرية فقال:"عرفتُ العلوجي سلسلةً من المعارف الروحية، سلسلةً من القراءات تتداخل في عالم يضرب بجذوره إلى أبعد نقطة من تاريخنا الوجداني. كان يصارع نفسه وتاريخه بأشهر أسلحة التراث، والتراث فيه معاصرة تزامن ماضيًا يمتد إلى ما بعد المستقبل. كنت أقرأ له الماضي محمولًا في سلال الكتب والترجمات، وكان يفهرس الماضي ويقف شاهدًا عليه؛ تارة يشاهد الصراع بين الجاحظ والكندي، وتارة يدخل إلى مقامات الحريري، ناثرًا فيها عطر البغدادي الجريح من انكسارات المغول والتتر. وكان شيئًا فشيئًا يتأمل ويكتب حتى إذا ما اكتشف يقينه العلمي صاح في أعماقه: آن أن نضع أمامنا الإدريسي وابن حزم ومقابر قريش لنحاورهم بأنفسنا وندقق في ألسنتهم..."

رحل عبد الحميد العلوجي عن عالمنا سنة 1995، لكنه ترك خلفه إرثًا ثقافيًا خالدًا لا تمحوه الأيام، فقد جمع بين عشق التراث وروح المعاصرة، وبين أصالة اللغة وعمق البحث. بقي اسمه علامة مضيئة في تاريخ الثقافة العراقية، ورمزًا للباحث الموسوعي الذي جعل من الكتاب وطنًا ومن المعرفة رسالة حياة.     

لقد كان عبد الحميد العلوجي واحدًا من أعمدة الحركة الثقافية العراقية في القرن العشرين، إذ شكّل مع عدد من معاصريه ــ من أمثال كوركيس عواد، وهادي العلوي، وعزيز الحجية، وطه باقر ــ جسرًا متينًا بين الماضي المجيد للتراث العربي وبين الحاضر المتطلع إلى الحداثة والمعرفة المنهجية. فكان العلوجي يجمع بين صرامة الباحث الأكاديمي وشغف الهاوي الذي يرى في كل ورقة أثرًا ينبغي إحياؤه.

وقد أجمع النقاد والباحثون على أن ما ميّز العلوجي هو قدرته على بعث الحياة في النصوص القديمة، وإخراجها في ثوب معاصر لا يُخلّ بأصالتها، بل يضفي عليها رونقًا جديدًا.

وكتبت أسماء محمد غريب: وثمة محطات كثيرة في حياته ترك عبرها آثارا أدبية  تعتز بها المكتبة العربية  ، بين رحلته القرائية منذ طفولته ، وبتشجيع من والده ، الى عوالم الإعراب  في "الاجرومية" للشيخ خالد الأزهري وكتب طه حسين ، وإطلاعه على القاموس المنجد وإعجابه بكتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي ، ووفاته تاركا حلمه باستكمال مشروع كتاب ضخم يحمل عنوان الخزانة القرآنية او موسوعة الدراسات القرآنية .

أما عزيز جاسم الحجية، زميله وصديقه في عدد من المشاريع البحثية، فقد وصفه بقوله: "كان عبد الحميد العلوجي موسوعة تمشي على قدمين، ذاكرته خارطة للثقافة العراقية، وبيته مكتبة مفتوحة للدارسين، لا يضنّ بمعلومة ولا يخفي مصدرًا."

وهكذا، لم يكن العلوجي مجرد باحثٍ في بطون الكتب، بل كان حارسًا للذاكرة العراقية، وصوتًا يذكّر الأجيال بأن الأمة التي تنسى تراثها، تفقد ملامحها وهويتها. ومن خلال كتبه ودراساته وفهارسه ومقالاته في المورد والتراث الشعبي، استطاع أن يشيّد صرحًا ثقافيًا راسخًا، ظلّ أثره باقياً في المكتبات والجامعات، وفي ذاكرة من عرفوه وقرأوا له.

لقد رحل الجسد، وبقي الفكر، وبقيت تلك اللغة الرفيعة التي كان يكتب بها، تنضحُ بعبق بغداد القديمة، وبحسّ العارف الذي آمن بأن التراث لا يُدرس ليُحفظ، بل ليُفهم ويُستنطق. فطوبى لمن حفظ الذاكرة، وصان الوجدان، وكتب بروح عاشقة كما كتب عبد الحميد العلوجي.

                                

 

 

 

 

 

         

 

 

       

 


مشاهدات 32
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/02/07 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/02/08 - 3:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 5354 الكلي 13936998
الوقت الآن
الأحد 2026/2/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير