الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العزوف عن الكتاب… أزمة وعي أم تحوّل ثقافي؟


العزوف عن الكتاب… أزمة وعي أم تحوّل ثقافي؟

عادل العبيدي

 

لم يعد خافيًا على أحد التراجع الملحوظ في الإقبال على شراء الكتب وقراءتها، سواء تلك الورقية التي كانت يومًا ما زينة البيوت وعنوان ثقافتها، أو الإلكترونية التي أُتيحت عبر الشبكة العنكبوتية بيسرٍ وسهولة. ظاهرة تستحق التوقف عندها، لا بوصفها حالة عابرة، بل بوصفها مؤشرًا ثقافيًا واجتماعيًا يعكس تحولات عميقة في علاقة الإنسان بالمعرفة.

أسباب العزوف:

تتعدد أسباب هذه الظاهرة، ولعل أولها هيمنة الوسائط السريعة؛ فوسائل التواصل الاجتماعي فرضت إيقاعًا متسارعًا للاستهلاك المعرفي، يقوم على الاختزال والسطحية، ما جعل القراءة المتأنية تبدو عبئًا في نظر الكثيرين، خصوصًا لدى الأجيال الشابة.

كما يأتي الظرف الاقتصادي في مقدمة العوامل المؤثرة، إذ أصبحت الأولويات المعيشية تتقدم على شراء الكتب، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار المطبوعات مقارنة بدخل الفرد، ما حوّل الكتاب من حاجة ثقافية إلى ترف مؤجل. ولا يمكن إغفال ضعف المناهج التعليمية التي لم تنجح في غرس حب القراءة، بل اختزلت الكتاب في كونه أداة للامتحان لا نافذة للمتعة والمعرفة، فخرجت أجيال تنفر من القراءة بدل أن تتصالح معها.

أما القراءة عبر الإنترنت، ورغم سهولة الوصول، فقد تراجعت هي الأخرى بسبب فوضى المحتوى الرقمي، وغياب الثقة بالمصادر، وسيطرة المواد الترفيهية السطحية على حساب النصوص الجادة.

آثار العزوف:

إن تراجع القراءة لا ينعكس فقط على المستوى الثقافي، بل يمتد أثره إلى ضعف التفكير النقدي، وتراجع الذائقة اللغوية، وازدياد قابلية المجتمع لتلقي الأفكار الجاهزة دون تمحيص، ما يشكل خطرًا حقيقيًا على الوعي الجمعي.

سبل المعالجة:

معالجة هذه الظاهرة تبدأ من إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه حاجة معرفية لا كمالية، وذلك عبر دعم دور النشر، وتخفيض أسعار الكتب، وتفعيل معارض الكتاب وجعلها مهرجانات ثقافية جاذبة.

كما يقع على عاتق المؤسسات التعليمية دور محوري في تحويل القراءة من واجب إلى متعة، عبر تحديث المناهج، وتشجيع القراءة الحرة، وربط الطالب بالكتاب خارج إطار الامتحان.

وفي المجال الرقمي، لا بد من إنتاج محتوى ثقافي جذاب ينافس المحتوى السطحي، ويستثمر التقنيات الحديثة في تقديم المعرفة بأساليب تفاعلية دون التفريط في عمقها.

ويبقى للإعلام دور أساسي في تسليط الضوء على القراءة، من خلال البرامج الثقافية، والملاحق الأدبية، وإبراز النماذج الملهمة من القرّاء والكتّاب، ليصبح الكتاب جزءًا من المشهد اليومي لا غائبًا عنه.

وأخيرا ، إن العزوف عن الكتاب ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مسار يمكن تصحيحه إذا توفرت الإرادة الثقافية، وتكاملت جهود الأسرة والمدرسة والإعلام. فالكتاب لم يفقد قيمته، وإنما نحن من ابتعدنا عنه، وحين نعود إليه، نعيد للوعي اعتباره، وللمجتمع توازنه .

 


مشاهدات 45
الكاتب عادل العبيدي
أضيف 2026/02/07 - 1:46 PM
آخر تحديث 2026/02/07 - 3:30 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 508 الشهر 4964 الكلي 13936608
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير