الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عوالم عبد الرزاق الربيعي تحت ظلال أشرعة سومرية


عوالم عبد الرزاق الربيعي تحت ظلال أشرعة سومرية

عبد اللطيف الموسوي

 

انحاز كثيرًا في عملي الصحفي والأدبي إلى الحوار لأنني أرى فيه فسحة واسعة للولوج في العالم الخاص لمن أحاوره، فالحوار يتيح الكثير مما لا  تتيحه الأجناس الأخرى في العمل الصحفي مثل الخبر والتحقيق الصحفي وحتى القصة الصحفية. وهذا ما جعلني أحب  كثيرًا كتاب (أشرعة سومرية ) الذي ضمّ جميع الحوارات التي أجريت مع الشاعر والكاتب العراقي المعروف عبد الرزاق الربيعي وقد قام باعداد الكتاب وكتب له مقدمة رائعة وجميلة الكاتب والصحفي علي جبار عطية وهو شقيق الربيعي، مما اعطى زخما للكتاب لا سيما أن عطية اعتمد السرد في كتابته للمقدمة. وقد أتاحت الإمكانيات التي يتحلى بها عطية، زائدًا قربه من شقيقه، له أن يقدّم للقارئ سردًا لافتًا أضفى على الكتاب جمالية مضافة .

وإذا كان  ماركيز يقول إن «الحوار مثل مزهريّـة الجدّة تساوي ثروة لكن لا أحد يعرف أين يضعها»، فإنّ الربيعي وشقيقه الاصغر علي عرفا أين يضعان هذه المزهرية، التي جاءت على شكل كتاب بعد أن  تعاونا على جمع شتات الحوارات التي اجراها الربيعي طوال مسيرته الابداعية حتى سنة صدور الكتاب. ويبدو أن كليهما يدرك أهمية الحوار فالربيعي لم يكن يتأخر عن تلبية أي طلب لإجراء حوار معه، أما علي فيجد لذة كبيرة في إجراء حوارات وهو في طريقه لإصدار كتاب جديد يضم مجموعة من المقابلات الأدبية التي أجراها مع مبدعين في مجالات مختلفة.كما أنهما عمدا لإبراز أهمية الحوار من خلال نشر مجموعة من المقتبسات التي وردت على لسان مفكرين ونقاد، ووضعاها  في صدر الكتاب.

مستهل لافت

 ودونما شك أن مجموعة الحوارات التي ضمها الكتاب قرّبت الربيعي من قرائه، وقرّبت قراءه منه وكشفت لهم عن أفكاره وآرائه بعمق، وعن تجربته الإنسانية، كما كشفت هذه الحوارات عن جوانب أخرى قد لا يجدها القارئ في نصوصه. وأتاحت للقراء والنقاد فك شيفرة النصوص وقدمت معلومات مهمة عن الربيعي وتجربته، الأمر الذي يعود بالنفع أيضاً على الباحثين والدارسين سواء الذين يرغبون بدراسة أدب الربيعي بشكل خاص أو حتى في دراساتهم العامه. وإذا كان الربيعي قد استثمر تلك الحوارات بالتعبير عن ارائه وأفكاره بشكل مباشر ليطلّع عليها القاصي والداني، فإن جمع الحوارات بكتاب واحد يتيح للقراء فرصة التعرف على هذه الآراء في مكان واحد بدلًا من  أن تتشتت جهودهم في أماكن مختلفة .

يبدأ علي جبار عطية مقدمته بهذا المستهل: (أطلق عبد الرزاق الربيعي صرخة الولادة قبل أن أُولد بنحو سنتين، وكان بيننا طفلٌ وُلد فاقداً للحياة : هكذا أخبرتنا ـ بعد الفطام ـ أُمي المتشحة بالمحبة والأسى، وقد عبر عن حالتها عبد الرزاق في قصيدةٍ يقول فيها : (عند التنور /تغني أُمي أُغنيةً/ لا يفهمها إلا الموتى)!

بهذا السرد الجميل والمعبّر سحب عطية المتلقي إلى منطقة لن يفكر بمغادرتها، بل يمضي قدمًا في قراءة السطور اللاحقة التي يبدأها بسؤال يعكس إمكانيات عطية وقدرته على مواصلة جذب القارىء وإغرائه لإستكمال المقدمة ومعرفة جواب السؤال الذي طرحه ؛ (هل كان ذلك الطفل السُقط نبوءةً مبكرةً لما سيحدث لعائلتنا لاحقاً من فواجع وفقداناتٍ وعذاباتٍ ستلقي بظلالها علينا جميعاً برغم لجوئنا إلى مباهج المعرفة، والعلم، الأدب، والسفر التي ربما وجدنا فيها شيئًا من العزاء ؟).

توظيف معبّر

 استطاع علي جبار عطية ضرب أكثر من عصفور من خلال هذا المستهل فقد أدخلنا بشكل مباشر إلى عالم عبد الرزاق الربيعي منذ أن أطلق صرخة الولادة، واستخدامه الفعل (أطلق)، الذي يعبّر عن الحركة، ليكون الكلمة الأولى في المقدمة مع عبارة (صرخة الولادة)، التي هي الأخرى تعني الكثير لدى العراقيين المعروفين بشغفهم بالطقوس فضلًا عن الحركية التي يتميز بها كلا الحدثين (الصرخة) و(الولادة)، كل ذلك يشي بذكاء وقصدية تهدف إلى وضع المتلقي في مشهد سردي يكسر شيئًا من الرتابة التي قد يبدو عليها أي كتاب يقتصر على حوارات ومع شخصية واحدة مع أسئلة قد تتكرر وأجوبة قد تتشابه، ومعلومات قد يُعاد ذكرها.

ثراء هذا المستهل يتجلى بذكر معاناة الأُم (المتشحة بالمحبة والأسى)، وبمقطع شعري قصير لعبد الرزاق يصور هذه المعاناة وصعوبة الوقوف الطويل أمام التنور الطيني القديم، وسعي الأم للحد من مشقتها بدندنة أُغنيةً (لا يفهمها إلا الموتى).

يعمد عطية إلى الاستشهاد بعدد من آراء شقيقه الربيعي، التي وردت في الحوارات التي ضمها الكتاب وهي اقتباسات متنوعة حاول من خلالها أن يقدم للمتلقي تصورًا بانوراميًا عن حياة شقيقه وارائه وافكاره وشعره وابداعه، ولتكون بمثابة مدخل إلى عوالم عبد الرزاق. ومن هذه الاقتباسات أذكر ما  ما جاء على لسانوالربيعي بشأن أهمية الحوارات بقوله أؤمن أنّ كلّ ما يصدر عن الشاعر، والكاتب من رسائل، وأحاديث، ويوميات، جزء لا يتجزّأ من نتاجه الإبداعي، ومن شأنه أن يفتح الطريق للقرّاء، والباحثين، والدارسين لفتح مغالق نصوصه، وما استعصى منها على التحليل، والتفسير، والفحص النقدي».

 وإذا ما ألقينا نظرة على الأسماء التي أجرت هذه الحوارات فسنرى أنها كانت عراقية وعربية ممن    لها حضور واضح في الساحة الثقافية ومنهم نذكرشاكر نوري، فيصل عبدالحسن، محمد فلحي،  مجيد السامرائي، زهير كاظم عبود، وزاهي وهبي، وعباس حمزة، محمد البريكي، عاصم الشيدي، حسن المطروشي، باقر صاحب، ومحمد بن سيف الرحبي، صدام الزيدي، ضحى الحداد، منى حسن، محمد البشتاوي، خلود الفلاح، طلعت المغربي، محمد الحمامصي، حسين الجفال، ناصر أبو عون، أسامة جاد، وفاطمة حمدي، إخلاص الزكواني، عطا عبد العال، وباسمة الحسيني، أحمد الجمال، والدكتورة عزة القصبي وغيرهم.                              يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام ، القسم الأول ضم الحوارات الورقية والقسم الثاني ضم الحوارات الرقمية والثالث تكوّن من الحوارات المرئية ما لفت انتباهي العدد الكبير من المقابلات التي أجريت مع الربيعي، إذ ضم الكتاب نحو خمسين حوارًا مما يدل على مكانة الربيعي الرفيعة في الساحة الثقافية التي نالها بإبداعه وإخلاصه لفنه وأدبه وما جاد به من منجز ثري متعدد الأوجه، كما يشير إلى حسن ارتباطه بالوسط الثقافي وعلاقاته الطيبة مع الٱخرين التي تجسدت بالتواصل الدائم وإجراء الحوارات معه. ختامًا أقول: إنني تمنيت لو أن علي جبار عطية أجرى حوارًا مع شقيقه عبد الرزاق الربيعي وضمه إلى حوارات الكتاب ليكون الشمعة الأشد توهجًا من بين شمعات الكتاب.

 

 


مشاهدات 57
الكاتب عبد اللطيف الموسوي
أضيف 2026/02/07 - 3:20 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 5:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 173 الشهر 4629 الكلي 13936273
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير