186 النجاة الصامتة
هدى زوين
لم يكن المكان مكانًا، بل صيغة حياة. رقمٌ بلا باب، ومسار بلا خرائط، ومساحة يضيق فيها الأمان كلما اتّسعت المعرفة. من يصل إليها لا يُدفع، بل يختار الاقتراب حين يقرّر أن يرى أكثر مما يُحتمل، وأن يفهم ما يُفضَّل أن يبقى خارج الضوء.
كان يعيش في الخارج، يتحرّك، يتكلّم، ويُصافح. لكن داخله كان محاصرًا منذ زمن بعيد. قيدٌ اسمه المسؤولية، تُغلق دوائره كلما اقترب من الأسئلة الحقيقية، وتُحكم حدوده كلما حاول أن يوازن بين الصمت والقول.
في لحظة مبكرة، أدرك أن العالم لا يُدار كما يُحكى، وأن الواجهات اللامعة تُخفي خلفها غرفًا بلا نوافذ. من تلك اللحظة، بدأ هذا الحيّز يتشكّل. فالإدراك ليس نعمة كاملة، بل عبء ثقيل، وكل من يراه بوضوح يدفع ثمن الرؤية عزلةً صامتة.
لم يكن من هواة الاصطدام، لكنه لم يكن قادرًا على التواطؤ. اختار المسار الأضيق: أن يبقى قريبًا من المشهد دون أن يذوب فيه، وأن يتحرّك بين الخطوط دون أن يُعلن عبورها.
خاض مغامرات لا تُروى؛ ليست تلك التي تُكتب في السير، بل التي تُسجَّل في الذاكرة الداخلية. كان يعرف أن خطوة واحدة زائدة قد تُغلق الدائرة نهائيًا، وأن خطوة ناقصة قد تحوّله إلى ظلّ بلا أثر.
المغامرة عنده لم تكن اندفاعًا، بل إصرارًا هادئًا على الاستمرار، كمن يمشي في ممرّ طويل وهو يعلم أن العودة مستحيلة، وأن النهاية غير مضمونة.
حمل راية لا لون لها. لم تكن شعارًا، بل نيّة. راية تُرفع داخليًا، وتُخفَض علنًا. كان يؤمن أن السلام الحقيقي لا يُعلن، لأنه حين يُعلن يتحوّل إلى مادة استهلاك. لذلك كان يعمل بصمت، يحاول ترتيب الفوضى دون أن يُلفت الانتباه إلى يديه.
واجه وجوهًا متعدّدة، كلّها تبتسم في الضوء وتتحوّل في الظل. لم يصطدم، لكنه لم ينحنِ. تعلّم أن أخطر المواجهات هي تلك التي لا تُرى، وأن أقسى الحروب هي التي تُدار بابتسامة.
أُعطيت له مفاتيح كثيرة؛ مفاتيح لا تفتح أبوابًا، بل تكشف طبقات مخفيّة. وكلما فتح طبقة، اكتشف أن الجدران أقرب مما تخيّل. ما كان يبحث عنه لم يكن موجودًا على الرفوف، بل بين السطور، وفي المسافات الصامتة بين الكلمات.
لم يسعَ إلى هذه المفاتيح، لكنها وصلت إليه لأن غيره خاف من حملها. ومع كل مفتاح، كان يشعر بأن المساحة تضيق، وأن الهواء يصبح أثقل.
في مرحلة ما، لم يعد يعرف فقط، بل صار يعرف أكثر من اللازم.
هناك حدٌّ فاصل بين الاطّلاع والتهديد، وقد تجاوزه دون أن ينتبه. حينها تغيّر الإيقاع من حوله؛ الوجوه نفسها، لكن النبرة اختلفت، واللغة أصبحت أقل وضوحًا.
لم يُقَل له شيء مباشر، فالأشياء الخطيرة لا تُقال؛ تُلمَّح، وتُترك في الفراغ كإنذار مبكّر.
شعر بأن هناك من يقترب دون لمس؛ ضغط بلا أثر، وعزل بلا قرار، وتذكير دائم بأن البقاء مرهون بالهدوء. لم يُطلب منه الصمت، بل فُهِم أنه الخيار الأذكى.
كانت الدائرة، في تلك اللحظة، في أضيق حالاتها. لا جدران، لكن كل الاتجاهات مغلقة. لا حارس، لكن الشعور بالمراقبة لا يفارق.
وفي نقطة ما، حين بدا أن كل شيء يتّجه نحو الإغلاق الكامل، حدث ما لا يُخطَّط له. انفرجت ثغرة صغيرة بالكاد تُرى. لم تكن نتيجة ذكاء، ولا نتيجة تسوية، بل نتيجة عناية لا تُفهم وقت حدوثها. خرج دون ضجيج؛ لا انتصار معلن، ولا هزيمة مؤكّدة… فقط استمرار.
اليوم، لا يزال الرقم قائمًا.
186 لا يُمحى، لأنه ليس مكتوبًا على جدار، بل محفور في الوعي. حالة مفتوحة على الزمن، يدخلها من يختار أن يعرف، ويبقى فيها من يقرّر ألّا ينسى.
هذه ليست قصة شخص.
هي حالة.
ومن يفهمها، يعرف لماذا لا تُروى كاملة، ولماذا ما خفي… سيبقى أثقل ممّا يُقال.
كاتبة وإعلامية