زلزال الكاريبي.. من صمت الرادارات إلى ضجيج النفط
هل دشّنت واشنطن عصر الحروب الصامتة؟
بغداد – الزمان
في فجر الثالث من كانون الثاني 2026، لم يستيقظ العالم على خبر دراماتيكي عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة نومه في قصر “ميرافلوريس”؛ بل استيقظ العسكريون في موسكو، والمخططون الستراتيجيون في بكين، والسياسيون في طهران، على “كابوس” يهدد بتغيير قواعد الاشتباك الدولي إلى الأبد. عملية “الرمح الجنوبي” (Operation Southern Spear) لم تكن غارة لقوات خاصة، ولا حملة لمكافحة المخدرات كما روجت بيانات “البنتاغون” الرسمية؛ بل كانت زلزالاً مركباً ضرب عصفورين بحجر واحد: إسقاط هيبة “السلاح الشرقي” تقنياً، واستعادة “مفاتيح الطاقة” جيوسياسياً.
في هذه القراءة المعمقة، نعيد تركيب المشهد من شظايا الرادارات المحترقة إلى براميل النفط التي تنتظر المالك الجديد.
العقيدة الجديدة
لعل الدرس الأخطر الذي قدمته ليلة كاراكاس هو التحول الجذري في العقيدة العسكرية الأمريكية. فإذا كان غزو بغداد 2003 قد دشن عقيدة “الصدمة والرعب” (Shock and Awe) القائمة على الضجيج الناري الهائل، فإن عملية 2026 دشنت عقيدة “الصدمة والصمت” (Shock and Silence). الهدف لم يعد تدمير جيش الخصم، بل “إطفاؤه”. واشنطن لم تقصف الجيش الفنزويلي لتبيده، بل قامت بفصل “دماغه” عن “جسده” في عملية جراحية معقدة بدأت قبل أسابيع من ساعة الصفر.
السؤال الذي يؤرق الكرملين الآن ليس “أين مادورو؟”، بل “لماذا صمتت الـ إس-300؟”. فنزويلا، التي كانت توصف بأنها القلعة الأكثر تحصيناً في أمريكا اللاتينية بفضل شبكة دفاع جوي روسية معقدة (S-300VM Antey-2500)، سقطت دون أن تطلق صاروخاً واحداً. هذا السقوط لم يكن خيانةً فحسب، بل كان هزيمة تقنية قاسية كشفت عن تكتيكات الجيل السادس من الحروب:
الحرق عبر التشويش (Burn-through Jamming): طائرات الحرب الإلكترونية الأمريكية (EA-18G Growler) لم تمارس التشويش التقليدي، بل استخدمت تقنية “الإغراق الطاقي”، إذ بثت طاقة كهرومغناطيسية هائلة حولت شاشات الرادارات الروسية إلى “اللون الأبيض” تماماً (Saturation). الدفاعات الفنزويلية أُصيبت بالعمى التام، ولم تتمكن من الإطباق (Lock-on) على الأشباح التي تحلق فوقها.
الإغراق السيبراني: الهجمات التي ضربت شبكة الكهرباء الوطنية في كانون الأول الماضي لم تكن عشوائية. لقد كانت “بروفة” لقطع التيار عن مراكز الإنذار المبكر، وعزل القيادة في العاصمة عن بطاريات الصواريخ في الأطراف.
قطع الرأس (Decapitation Strike): الضربة الجراحية لمراكز القيادة والسيطرة (C2) في قاعدة “لا كارلوتا” ووزارة الدفاع جعلت الجيش الفنزويلي –وهو جيش مركزي هرمي– جثة هامدة. الضباط الميدانيون، المعزولون وبلا أوامر، اختاروا الصمت بدلاً من الانتحار.
إذا كانت التكنولوجيا هي “الأداة”، فإن الطاقة هي “الدافع”. لا يمكن لعاقل أن يصدق أن واشنطن حركت أساطيلها لاعتقال تاجر مخدرات. فنزويلا هي الخزان الذي ينام على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أكثر من 300 مليار برميل). التوقيت هنا هو الجوهر، فمع تصاعد “تحالف الشرق” وسعي الصين وروسيا لفك الارتباط بالدولار (Petrodollar)، تحولت فنزويلا من “دولة مارقة” إلى “تهديد وجودي”. التقارير عن استحواذ صيني على البنية التحتية للطاقة، وعن تحويل الموانئ الكاريبية لمحطات آمنة للناقلات الإيرانية، جعلت “الرمح الجنوبي” ضرورة قصوى للأمن القومي الأمريكي. لقد ذهبت واشنطن لتأميم “صنبور النفط” ومنعه من أن يصب في محركات آلة الحرب الاقتصادية للمحور الشرقي، موجهة صفعة لمبدأ “تعدد الأقطاب”.
الرسائل الدامية
العملية هي إعادة إحياء وحشية لـ “مبدأ مونرو” (الحديقة الخلفية خط أحمر)، لكنها حملت رسائل ملغومة لحلفاء كاراكاس:
إلى موسكو: منظوماتكم الدفاعية، فخر الصناعة الروسية، سقطت في أول اختبار حقيقي ضد الحرب الهجينة. هذه ضربة لسمعة السلاح الروسي قد تكون كلفتها السياسية والاقتصادية باهظة.
إلى طهران: الذراع الطويلة التي مددتموها عبر الأطلسي (مصانع مسيرات واتفاقيات دفاعية) قُطعت في ليلة واحدة. الكاريبي ليس مضيق هرمز.
ما بعد السقوط
لكن، هل انتهت المعركة بترحيل مادورو إلى فلوريدا؟ هنا يبدأ الفصل الأخطر. واشنطن نجحت ببراعة في “الهدم”، لكن التاريخ يخبرنا أنها غالباً ما تفشل في “البناء”. الدولة الفنزويلية الآن في حالة فراغ مرعب؛ الجيش محطم المعنويات وفاقد للشرعية، والمؤسسات مشلولة. الفراغ الذي تركه النظام لن يملأه الليبراليون القادمون من المنفى فوراً، بل تتسابق لملئه القوة الوحيدة المنظمة والمسلحة عقائدياً: “الكوليكتيفوس” (Colectivos).
نحن أمام سيناريو تحول فنزويلا من “دولة دكتاتورية” (مستقرة أمنياً) إلى “دولة فاشلة” (تنهشها الميليشيات). إذا انفرط عقد الأمن، وتحولت كاراكاس إلى ساحة لحرب الشوارع، فإن “الرمح الجنوبي” قد يرتد إلى صدر مطلقيه على شكل موجات نزوح مليونية وفوضى إقليمية لا يمكن احتواؤها.
عملية الثالث من كانون الثاني 2026 ستُدرّس في الأكاديميات العسكرية كأنموذج للنجاح التكتيكي المذهل.
وستُدرّس في معاهد السياسة كأنموذج للمقامرة الستراتيجية الكبرى. لقد استعادت واشنطن مفتاح الحديقة الخلفية.
وأثبتت تفوقها التقني الكاسح، لكنها قد تكون، دون أن تدري، قد فتحت “صندوق باندورا” في أمريكا اللاتينية. في عالم المصالح، المنتصر ليس من يربح معركة الفجر، بل من يصمد في وحل الظهيرة.