الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إسقاطات التأويل

بواسطة azzaman

إسقاطات التأويل

أحمد حمندي

 

هناك مثل شعبي عراقي «اللي بعبه صخل يمعمع»، ونظيره المصري «اللي على راسه بطحة يحسس عليها»، ندرك أن القراءة لأي عمل فني بشكل عام و أدبي بشكل خاص يلامس الذاكرة الجمعية  ليست فعلاً بريئاً دائماً، بل هي عملية إحتقان سابق يسعى فيها المتلقي «المعبأ» سلفاً لشرعنة انحيازاته؛ فالقارئ المتحامل سيفسر النص حتماً بما يخدم هواجسه، حيث تتحول القراءة لديه من تشريح فني  يهتم بما يتخلله العمل من صعود أو هبوط

إلى «صراع هويات» يمارس فيه انتقائية مريضةو نظرة اضيق تنتهي بحرق أو تخريب او اعتداء على مؤسسة تبنت ذلك العمل.

الخوف من الاسقاطات هي احد صفات هذا التلقي القاصر، يجهل الخائفون أن الإسقاط أصلا ثيمة فنية لها أساس موضوعي وضمن حقل النقد البنيوي٬  والأدب الرفيع تاريخياً لم يلمع جغرافيا على حساب أخرى، بل غاص في تناقضات البيئة الواحدة، راجع نجيب محفوظ في «الثلاثية» لم يقدم حارة القاهرة ككتلة من الفضيلة، بل جعل من «بين القصرين» مسرحاً للازدواجية البشرية، حيث يجتمع الورع الظاهري بالخروج الأخلاقي في ذات الشخصية والحي. وكذلك فعل ماركيز الذي جعل من قرية «ماكوندو» مكاناً للقداسة والدنس في آن واحد، وتشارلز ديكنز الذي نبش في أزقة لندن ليظهر القاتل والقدّيس في زقاق ضيق.

 ان المفارقة الدرامية الخاصة بـ(الجيد و السيء ضمن البيت الواحد) هذه الطريقة هي آلية درامية لكشف عورات النفس البشرية ولا تنطلق من شعور المتلقي الزائف بالطعن.

 ولو افترضنا مثلاً أن شخصية (سين) ماتت بسبب احتشاء «الرز» في قصبتها الهوائية أثناء الأكل، فمن العبث أن يتهم الكاتب بمهاجمة «الرز» أو إهانة مزارعيه! لكن ما نعيشه اليوم هو عملية تجييش منظم لخلق «تجحيش» جمعي يتم توجيه المرتزقة عليه من «جروبات الواتساب» لضرب أي عمل فني  لمجرد أنه لم يماشِ بوصلتهم المؤدلجة أو لأنه كشف واقعاً يفضلون مواراته.

 

 

 

 


مشاهدات 49
الكاتب أحمد حمندي
أضيف 2026/02/23 - 11:04 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 18577 الكلي 14950220
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير