الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أنواع‭ ‬النقد‭ ‬

بواسطة azzaman

أنواع‭ ‬النقد‭ ‬

محمد زكي ابراهيم

 

لم‭ ‬أجد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬النقد‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬شيوعاً‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬السياسي،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬جمهوراً‭ ‬عريضاً‭ ‬مثل‭ ‬جمهوره،‭ ‬ولا‭ ‬متابعين‭ ‬مزمنين‭ ‬مثل‭ ‬أتباعه،‭ ‬فهو‭ (‬سلعة‭) ‬رائجة‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬يتداولها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬ويغرمون‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬يتحرجون‭ ‬من‭ ‬ذكرها،‭ ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ظاهرة‭ ‬مؤقتة‭ ‬ستنتهي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭.‬

والذين‭ ‬يعجبهم‭ ‬النقد،‭ ‬ويرون‭ ‬فيه‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬التقدم،‭ ‬ويفتنون‭ ‬بكل‭ ‬من‭ ‬برع‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬تمكن‭ ‬منه،‭ ‬سيرون‭ ‬فيه‭ ‬نموذجاً‭ ‬على‭ ‬التطور‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الناس‭ ‬قد‭ ‬سمعوا‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬عرفوا‭ ‬عنه‭. ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التغيير‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬أصابته‭.‬

إن‭ ‬أشهر‭ ‬أنواع‭ ‬النقد‭ ‬الشائعة‭ ‬لدينا‭ ‬كما‭ ‬يعرف‭ ‬الجميع‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي،‭ ‬الذي‭ ‬يستهوي‭ ‬المشتغلين‭ ‬بفنون‭ ‬الأدب‭ ‬المختلفة‭  ‬مثل‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية‭ ‬والقصة،‭ ‬وحينما‭ ‬يذكر‭ ‬النقد‭ ‬لا‭ ‬تنصرف‭ ‬الأذهان‭ ‬إلى‭ ‬سواه‭.‬

لكنه‭ ‬يبقى‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬اهتمامات‭ ‬النخبة‭ ‬فحسب،‭ ‬لأنه‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬نظريات‭ ‬لا‭ ‬يفهمها‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬تحوم‭ ‬حول‭ (‬بنيات‭) ‬و‭(‬أنساق‭) ‬و‭(‬مجازات‭) ‬و‭(‬سرديات‭) ‬و‭(‬تفكيك‭) ‬و‭(‬تحليل‭ ‬خطاب‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬الصنعة‭ ‬بطائل‭.‬

وقد‭ ‬شاع‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬نمط‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬النقد‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي،‭ ‬يتسع‭ (‬فضاؤه‭) ‬لـ‭ (‬جمل‭ ‬ثقافية‭) ‬و‭(‬دالات‭ ‬متحركة‭) ‬و‭(‬حيل‭ ‬نسقية‭) ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأمور،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يلم‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬ذو‭ ‬حظ‭ ‬عظيم‭!.‬

وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬النقد‭ ‬السياسي‭ ‬متاحاً‭ ‬لكل‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬ليس‭ ‬بما‭ ‬يرضي‭ ‬الله‭ ‬والعباد،‭ ‬بل‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يغيظ‭ ‬الحاكمين،‭ ‬ويقض‭ ‬مضاجع‭ ‬المسؤولين‭.‬

فالذم‭ ‬والقدح،‭ ‬والسب‭ ‬والشتم،‭ ‬ورمي‭ ‬التهم‭ ‬وإظهار‭ (‬العيوب‭) ‬هي‭ (‬فعاليات‭) ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الجميع،‭ ‬لا‭ ‬يجهلها‭ ‬إلا‭ ‬القليل،‭ ‬ممن‭ ‬آثر‭ ‬السلامة‭. ‬وهي‭ ‬مادة‭ ‬هذا‭ ‬النقد،‭ ‬وعنوانه‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ (‬معارضة‭) ‬وليس‭ ‬نقداً‭.‬

وقد‭ ‬اعتاد‭ ‬العراقيون‭ ‬على‭ ‬إطلاقه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحقب‭ ‬والعهود‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بهم،‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬على‭ ‬حكومات‭ ‬وأحزاب،‭ ‬وشخصيات‭ ‬ومؤسسات،‭ ‬تصدرت‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬فالسواد‭ ‬الأعظم‭ ‬لدينا‭ ‬نقاد‭ ‬مزمنون،‭ ‬لا‭ ‬يعجبهم‭ ‬العجب،‭ ‬ولا‭ ‬يستهويهم‭ ‬إنجاز‭ ‬يتحقق‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬علم‭ ‬قائم‭ ‬بذاته،‭ ‬يستند‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬وأصول‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تقويم‭ ‬مسار‭ ‬العملية‭ ‬السياسية،‭ ‬وتلافي‭ ‬الأخطاء‭ ‬والانحرافات،‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭.‬

ولأن‭ ‬الأنظمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تسمح‭ ‬للمعارضة‭ ‬عادة‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬رأيها‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭ ‬والطرق‭ ‬المشروعة‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الإعلام‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬خطره‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬الضروس،‭ ‬فإن‭ ‬تشخيص‭ ‬مواطن‭ ‬الخلل،‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬سياسي،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يأخذ‭ ‬النقد‭ ‬السياسي‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الإيجابي،‭ ‬ويسلط‭  ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬المشرقة‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬البلاد،‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬يحاول‭ ‬الإشادة‭ ‬بالإنجازات‭ ‬التي‭ ‬تجعلها‭ ‬تبلغ‭ ‬مستوى‭ ‬عالياً‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬ينفع‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭.‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نتعلم‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الخير‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬ننعم‭ ‬بالأمن‭ ‬والسلام،‭ ‬ولا‭ ‬نفتعل‭ ‬الخصومات‭ ‬والعداوات،‭ ‬والسبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬لذلك‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬الأداء‭ ‬الحكومي‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬التشريح،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تشخيص‭ ‬الأخطاء‭ ‬واقتراح‭ ‬الحلول،‭ ‬فمثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يعني‭ ‬تعاون‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هدف‭ ‬سامٍ‭ ‬هو‭ ‬البناء‭ ‬والعمران،‭ ‬وحفظ‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬داخلي‭ ‬أو‭ ‬خارجي،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬السلوك‭ ‬الصحيح‭ ‬لوضع‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬سكة‭ ‬التقدم،‭ ‬حتى‭ ‬تستعيد‭ ‬مكانتها‭ ‬بين‭ ‬أمم‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬السلوك‭ ‬العدواني‭ ‬الموروث‭ ‬،‭ ‬تجاه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تقوده‭ ‬قدماه‭ ‬إلى‭ ‬حضن‭ ‬السلطة،‭ ‬فهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يقره‭ ‬عقل،‭ ‬ولا‭ ‬يقبله‭ ‬منطق،‭ ‬ولا‭ ‬يدوم‭ ‬به‭ ‬سلطان‭.‬


مشاهدات 47
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/01/14 - 1:03 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 9:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 285 الشهر 11016 الكلي 13118439
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير