الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نسر‭ ‬المعرفة‭:‬رمزية‭ ‬علو‭ ‬الفكرة واتساع‭ ‬الأفق

بواسطة azzaman

نسر‭ ‬المعرفة‭:‬رمزية‭ ‬علو‭ ‬الفكرة واتساع‭ ‬الأفق

محمد غاني

 

كلما‭ ‬ارتفع‭ ‬الإنسان‭ ‬وعيا،‭ ‬ارتقى‭ ‬عن‭ ‬أقرانه،‭ ‬فيرتقي‭ ‬ويرتقي‭ ‬فوق‭ ‬جبال‭ ‬المعرفة‭ ‬حتى‭ ‬يصير‭ ‬طائرا‭ ‬بوعيه‭ ‬كالنسر‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬الأشياء‭ ‬بمنظور‭ ‬أكثر‭ ‬شمولية‭ ‬ودقة،‭ ‬فيفهم‭ ‬الأشياء‭ ‬بشكل‭ ‬أوعى‭ ‬وأعمق‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬مختلفا‭ ‬عن‭ ‬أقرانه‭. ‬هذا‭ ‬الارتقاء‭ ‬ليس‭ ‬دربا‭ ‬مفروشا‭ ‬بالورود،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مسار‭ ‬شاق‭ ‬يتطلب‭ ‬جرأة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬وتحديا‭ ‬للمألوف‭. ‬فكما‭ ‬قال‭ ‬الفيلسوف‭ ‬برتراند‭ ‬راسل،‭ “‬الوعي‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬الداخلية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الجهل‭ ‬يوفر‭ ‬لنا‭ ‬استقرارًا‭ ‬نسبيًا‭” . ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬يبرز‭ ‬الثمن‭ ‬الذي‭ ‬يدفعه‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬اليقظة‭ ‬الفكرية،‭ ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬تتسع‭ ‬المدارك،‭ ‬قد‭ ‬يشعر‭ ‬الفرد‭ ‬بالغربة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يفضل‭ ‬فيه‭ ‬الكثيرون‭ ‬راحة‭ ‬الجهل‭. ‬وقد‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬أيضًا‭ ‬آرثر‭ ‬شوبنهاور‭ ‬بقوله‭: “‬الوعي‭ ‬يجعلنا‭ ‬غرباء‭ ‬في‭ ‬عالمنا،‭ ‬فالجهل‭ ‬يوفر‭ ‬لنا‭ ‬مأوى‭ ‬ومألوفية‭” .‬التطور‭. ‬إنه‭ ‬يذكرنا‭ ‬بـ‭ ‬أسطورة‭ ‬الكهف‭ ‬لأفلاطون‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬السجناء‭ ‬المقيدون‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬الظلال‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬الكهف‭ ‬غالبية‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬يكتفون‭ ‬بالظواهر‭ ‬السطحية،‭ ‬بينما‭ ‬يمثل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الذي‭ ‬يتحرر‭ ‬ويخرج‭ ‬ليرى‭ ‬نور‭ ‬الشمس‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكاملة،‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬ارتقى‭ ‬بوعيه‭. ‬وعندما‭ ‬يعود‭ ‬هذا‭ ‬المتحرر‭ ‬إلى‭ ‬الكهف‭ ‬ليخبر‭ ‬رفاقه‭ ‬بما‭ ‬رآه،‭ ‬فإنه‭ ‬يواجه‭ ‬الرفض‭ ‬والسخرية،‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬استيعاب‭ ‬حقيقة‭ ‬تتجاوز‭ ‬ظلالهم‭ ‬المألوفة‭. ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الفلسفية‭ ‬القديمة‭ ‬تجسد‭ ‬الصراع‭ ‬الأزلي‭ ‬بين‭ ‬الوعي‭ ‬المتسع‭ ‬والجمود‭ ‬الفكري‭.‬المستمرة‭. ‬يقول‭ ‬الأديب‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭: “‬التفكر‭ ‬العميق‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الراحة‭ ‬العقلية‭ ‬وتتحدى‭ ‬الأفكار‭ ‬المألوفة‭. ‬إنه‭ ‬مشقة‭ ‬تستحقها‭ ‬لأنها‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬النمو‭ ‬والتطور‭ ‬الشخصي‭” . ‬فالعقل‭ ‬لا‭ ‬ينمو‭ ‬إلا‭ ‬بالتجارب‭ ‬المتراكمة،‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬تصقل‭ ‬الفكر‭ ‬وتوسع‭ ‬الأفق‭. ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬الحكماء‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭  ‬حكمتهم‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خاضوا‭ ‬غمار‭ ‬الحياة‭ ‬بتجاربها‭ ‬المريرة‭ ‬والحلوة،‭ ‬فكانت‭ ‬كل‭ ‬تجربة‭ ‬بمثابة‭ ‬لبنة‭ ‬في‭ ‬صرح‭ ‬وعيهم‭ ‬المتنامي‭. ‬فالوعي‭ ‬محتاج‭ ‬إلى‭ ‬العقل،‭ ‬والعقل‭ ‬محتاج‭ ‬إلى‭ ‬التجربة،‭ ‬ولا‭ ‬حكيم‭ ‬إلا‭ ‬ذو‭ ‬تجربة‭ ‬يصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬الروابط‭ ‬الخفية‭ ‬بين‭ ‬الأشياء،‭ ‬وفهم‭ ‬التعقيدات‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬للآخرين‭ ‬مجرد‭ ‬فوضى‭. ‬إنه‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬أحادية‭ ‬الجانب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نسيج‭ ‬معقد‭ ‬من‭ ‬المنظورات‭ ‬المتعددة‭. ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬الشمولي‭ ‬يمنحه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭ ‬والتحيزات،‭ ‬ليغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬المعاني،‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬جوهر‭ ‬الوجود‭. ‬إنه‭ ‬يصبح‭ ‬كمن‭ ‬يرى‭ ‬الخريطة‭ ‬بأكملها،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬الآخرون‭ ‬جزءًا‭ ‬صغيرا‭ ‬منها‭ ‬فقط‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الارتقاء‭ ‬بالوعي‭: ‬انها‭ ‬رحلة‭ ‬مستمرة‭ ‬نحو‭ ‬فهم‭ ‬أعمق‭ ‬للذات‭ ‬والعالم،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬صاحبها‭ ‬بعض‭ ‬العزلة‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف‭ ‬عن‭ ‬السائد،‭ ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬يكمن‭ ‬جوهر‭ ‬التميز‭ ‬والريادة‭ ‬الفكرية


مشاهدات 59
الكاتب محمد غاني
أضيف 2026/03/07 - 1:13 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 8:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 401 الشهر 5832 الكلي 14959901
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير