عدنان ابو زيد
في عصرنا هذا، حيث يُقاس الجمال بمعايير مصطنعة، وتُغرق الروح في بحر الوهم، اجتمعت ثلاث صديقات كن يبحثن عن الكمال في عالم يفرض عليهن مظهرا اصطناعيا مزيفا، لا طبيعيا.
كن مختلفات في السابق، كل واحدة تحمل بصمة الطبيعة الفريدة، لكنهن سقطن في فخ “التطوير الذاتي” المزعوم، الذي يُروج له كدواء للروح المضطربة.
ذهبن إلى عيادات التجميل، تلك المعامل الحديثة التي تحول الإنسان إلى منتج صناعي، وخرجن منها نسخاً متطابقة، كأنهن صُنعن من قالب واحد في مصنع الجمال الرخيص.
الشفاه انتفخت كبالونات مليئة بالهواء الفارغ، والخدود تضخمت حتى بدت كثمار تفاح مصطنعة، تخفي تحتها فراغاً داخلياً.
الجباه شُلت بالسموم الكيميائية، فصارت الابتسامة جريمة محظورة، والضحكة تعبيراً جامداً لا يعكس إلا الخوف من الزمن.
أما الخلفيات، فقد انتفخت كعوامات في بحر من الأوهام، تجعل الجسد يفقد توازنه الطبيعي.
أصبحن “الثلاثي المتكرر”، يتجولن في المناسبات الاجتماعية، ويتهامس الناس خلفهن: “إنهن من خط إنتاج واحد، صيني الطراز، رخيص الثمن، يختلف فقط في لون الطلاء الخارجي”.
الرجال يبتعدون مذعورين، يفضلون الصمت على مواجهة هذا الجمال المصطنع.
يقول أحدهم بصدق قاسٍ: “أفضل الزواج بدمية بلاستيكية صامتة، على الأقل لا تطلب فلاتر جديدة، ولا تنهار أمام تجاعيد الزمن الطبيعية”.
يقترب آخرون، لكنهم يواجهون وجوهًا جامدة كتماثيل شمع مذابة في معرض مهجور، لا تعبر عن مشاعر، ولا تحمل أثر الحياة.
ثم جاءت الفكرة الجهنمية: العودة إلى الطبيعي.
ذهبن لإزالة الحشوات، آملات في استعادة الذات الأصلية، لكن الكارثة كانت شاملة، الشفاه انكمشت كزبيب محروق تحت شمس العمر، والخدود ترهلت كأكياس فارغة مذبوحة، والوجوه تحولت إلى خرائط تجاعيد عميقة وتشوهات دائمة لا رجعة فيها.
الإبر اندثرت، لكن الندم بقي، والمرآة صارت جلاّداً يومياً يذكرهن بخطئهن، والصور القديمة تُحرق في طقوس ندم متأخر.
اليوم يجلسن معاً، ينظرن إلى بعضهن بوجوه مشوهة، ويهمسن بمرارة: “كنا نريد أن نكون مميزات، فصرنا نسخاً فاشلة رخيصة”.
إن هذا الدرس يذكرنا بأن الجمال الحقيقي يكمن في الطبيعة، لا في الإبر والحقن، ففي سعينا للكمال المزيف، نفقد أنفسنا، ونصبح ضحايا لمجتمع يقيس القيمة بالمظهر، لا بالجوهر.
هل يعقل أن نستمر في هذا الوهم، أم نعود إلى حكمة الزمن التي تُعلمنا القبول بالذات؟