العمر المفرِط بين صدق الفنّ ووهم الوقائع
محمد علي محيي الدين
لم تزل كتب التراث تتناقل أخبار المعمّرين في الجاهلية، أخبارًا تتأرجح بين التصديق والتكذيب، بحيث لو قلتُ إنها حقٌّ لوجدتُ من ينفيها، ولو وصفتُها بالاختلاق لوقف من يؤكّدها. وأنا نفسي حين قرأت تلك الحكايات، لم يصدّني ما راودني من شكّ، ولم يمنعني ظنّ الكذب من متابعة القراءة؛ فقد وجدت فيها لغةً جزلةً، وأمثالًا سائرة، وشواهد من الشعر والنثر لا يظفر المرء بمثلها في كثير من النصوص التي يُعدّ سندها أصحّ وأوثق.
فما بالُنا —ونحن أبناء جيلٍ يوازي الأسطورة في غرابة حوادثه— نحاسب الأقدمين بميزان لم نُلزم به أنفسنا؟ نستنكر عليهم ما رووه من أعاجيب، بينما نرى الخرافة في عصرنا تمشي على ساقين، فنلبسها ثوب العقل، ونقترع لها مبررات لا تنتهي. نرفض هزل الماضي، فيما هزلُ الحاضر يحيط بنا من كل صوب. نقبل من كتب التراث شعرها، ونصوصها، وأخبارها، ثم إذا بلغنا باب المعمّرين توقّفنا فجأة وكأنّنا أمام منطقة محرّمة لا يجوز دخولها.
وما أريده هنا ليس التثبّت من أعمار أولئك الرجال، بل الإشارة إلى أنّ حديث المعمّرين جزء من الأدب العربي نفسه، روته أمهات الكتب وأسانيد العلماء، واستشهد به اللغويون والمؤرخون والنقّاد، وهو —من حيث طبيعته— نصٌّ أدبي قبل أن يكون خبرًا تاريخيًا.
ومن هنا يُطرح السؤال: أين يكمن الصدق في العمل الأدبي؟ أفي مطابقته لواقعٍ نفسي يعيشه الأديب؟ أم في موافقته لواقع خارجي يمكن البرهنة عليه؟ أم أنّ الصدق الأدبي ليس له علاقة بهذه المطابقة كلها، وأن ما يكفي فيه أن يعكس صورةً مما يتصوره البشر، سواء كانت حقيقة أو خيالًا، صدقًا أو وهمًا؟
وأنا ممن يرى أنّ الصدق الفني لا يقوم على مطابقة الواقع، بل على مطابقة الصورة لما يستقر في الوجدان الجمعي؛ فالأدب صادق ما دام حيًّا في خيال الناس، قارَب الحقيقة أو ابتعد عنها. ومن هذا المنطلق نفسه أسوق أخبار المعمّرين لا بوصفها حقائقَ تاريخية، بل بوصفها نصوصًا صادقة صدقًا فنّيًا.
وقد جمع الشريف المرتضى في أماليه طائفةً من هذه الأخبار، وساقها متصلةً بأسماء كبار الرواة وأهل اللغة: أبي حاتم السجستاني، وابن سلام، وأبي بكر بن دريد، والجاحظ، والأصمعي، وابن الكلبي، وأبي مخنف، قائلًا إن العرب لا تُطلق وصف "المعمّر" إلا على من تجاوز المائة والعشرين.
ومن بين أولئك الذين ذكرتهم الروايات: الحارث بن كعب المذحجي: عاش —كما يروى— مائةً وستين سنة، ولما دنت وفاته جمع أبناءه وقال: "يا بَنيّ، لقد أتى عليّ ستون ومائة سنة، ما صافحت يميني يمين غادر، ولا رضيت نفسي بخُلّة فاجر. فكونوا مجتمعين ولا تختلفوا فتكونوا شيعًا؛ فإن موتًا في عزٍّ خيرٌ من حياةٍ في ذلٍّ وعجز." والمستوغر بن ربيعة بن سعد: عاش ثلاثمائة سنة، وقيل إنه أدرك الإسلام أو قاربه. ودويد بن زيد: بلغ من العمر أربعمائة وستة وخمسين عامًا. وزهير بن جناب: امتد عمره —بحسب الروايات— إلى مائتين وعشرين سنة. وذو الأصبع العدواني: عاش مائةً وسبعين سنة. وعبد المسيح بن نفيلة الغساني: أطرفهم ذكرًا؛ إذ روى ابن الكلبي وأبو مخنف أنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وشهد فتح خالد بن الوليد للحيرة. وغيرهم كثير ممن نسب اليهم العمر الطويل.
وهكذا يبقى هذا الباب من الأخبار لا يُقصد به تحقيق الوقائع بقدر ما يكشف عن خيال العرب، وطريقتهم في بناء الأسطورة حول الإنسان، ونظرتهم إلى العمر والزمن. فسواء صحّت هذه الأعمار أو بَطُلت، فإنها تظلّ مرآةً دقيقةً لما كان يجول في نفوس القوم من قيمٍ ورؤى وتصورات.