الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ضرائب حتى الموت

← بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

ضرائب حتى الموت

ياس خضير البياتي  

 

لم يسلم العراق يوماً من الأزمات والسرقات، ولا سيما في المجال الاقتصادي، الذي أصبح يعني بناء المجمعات السكنية باهظة الثمن، وتشييد عشرات المجسرات والجسور والأنفاق تحت ذريعة فك الاختناقات المرورية في بغداد، فإذا بالمدينة تزداد اختناقاً وازدحاماً! وهكذا خسرنا تريليونات الدنانير العراقية التي انتهى كثير منها في جيوب الفاسدين.

واليوم اكتشفت الحكومة العراقية وصفة اقتصادية خارقة لمعالجة عجز موازنة عام 2027: لا تبحثوا عن الأموال المنهوبة، ولا تقتربوا من أبواب الفساد، فقط فتّشوا جيوب المواطنين!

فالعراق، الذي يملك النفط والغاز والمنافذ الحدودية والثروات الطبيعية، قرر أن يجعل حياة المواطن مشروعاً مفتوحاً للجباية، من الهاتف إلى المطار، ومن المطعم إلى عيادة الطبيب، وربما من المهد إلى اللحد!

فبحسب المقترحات المتداولة بشأن موازنة 2027، هناك رسوم على إعلانات المشاهير وصنّاع المحتوى، ورسوم على المواقع والوكالات الإعلامية، و25 ألف دينار على تذكرة السفر إلى الخارج، و10 آلاف دينار في المطارات والمنافذ الحدودية، وضريبة بنسبة 10بالمئة على خدمات الهاتف النقال والإنترنت. فضلاً عن ضرائب على المطاعم والفنادق والعيادات الخاصة ومراكز التجميل والنوادي الرياضية، وحتى أصحاب المنازل الذين يمارسون أعمالاً تجارية من بيوتهم.

يا لها من موازنة مبتكرة! المواطن إذا اتصل دفع، وإذا سافر دفع، وإذا أكل في مطعم دفع، وإذا مرض ودخل مستشفى خاصاً دفع، وإذا حاول أن يعمل من منزله هرباً من البطالة وجد دائرة الضرائب تنتظره عند الباب!

لكن السؤال الذي يبدو أن واضعي هذه المقترحات نسوه: لماذا تبدأ الجباية دائماً من المواطن البسيط، ولا تبدأ من أصحاب الامتيازات ومراكز النفوذ؟

لماذا لا تُراجع مخصصات الرئاسات الثلاث، وامتيازات النواب، ورواتب الدرجات الخاصة، ونفقات المواكب والحمايات والسفرات الرسمية؟ ولماذا لا تكون هناك مراجعة جدية لما يدخل خزينة الدولة من النفط والمنافذ الحدودية والضرائب، وأين تذهب هذه الأموال؟

أليس من الأجدر أن تكون هناك ضريبة على كل امتياز لا ضرورة له، ومساءلة عن كل مشروع ابتلع المليارات ولم ينجز، ومحاسبة لكل من يثبت تورطه في هدر المال العام؟ أم أن الجباية شجاعة حين تقف أمام صاحب الدخل المحدود، وتتحول إلى حياء شديد حين تقترب من أصحاب النفوذ؟

إن موازنة 2027، وفق ما أُعلن عن أرقامها الأولية، تتحدث عن إنفاق يقدّر بنحو 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليوناً. لكن بدلاً من أن يكون هذا العجز مناسبة لمراجعة الإنفاق ومكافحة الهدر وتنويع الاقتصاد، يجد المواطن نفسه مرشحاً جديداً لتمويل الأزمة، وكأنه شريك في اتخاذ القرارات التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع!

وأخشى أن يأتي اليوم الذي تكتمل فيه هذه العبقرية الجبائية، فتفرض الدولة ضريبة على القبور، ورسماً على الدفن، وأجوراً على زيارة الموتى، وربما ضريبة سنوية على الأموات مقابل إشغالهم مساحة من أرض الوطن! وعندها لن تنتهي رحلة المواطن عند الموت؛ ستلاحقه دائرة الجباية إلى مثواه الأخير، وربما تطالبه بتسوية حساباته قبل إغلاق القبر!

يا سادة الحكم، لا تجعلوا موازنة 2027 دفتر فواتير مفتوحاً على حياة الناس وموتهم. ابدأوا بمحاسبة من أضاعوا الثروات، لا بملاحقة من يحاولون العيش بما تبقى منها. فالعراق ليس فقيراً إلى درجة أن يفرض الضريبة على أنفاس أبنائه؛ لكنه يحتاج إلى إدارة لا تتعامل مع ثرواته باعتبارها غنيمة، ومع مواطنيه باعتبارهم ماكينة صراف آلي لا تتوقف!

وبلغة الناس البسيطة، صار المواطن العراقي يريد يعرف: شنو بعد ما ضلّ حتى تفرضون عليه ضريبة؟ إذا شغّل الموبايل يدفع، وإذا فتح الإنترنت يدفع، وإذا سافر يدفع، وإذا مرض يدفع، وإذا أكل بالمطعم يدفع! باچر يمكن يفرضون عليه ضريبة لأنّه ضحك، ورسماً لأنّه تنفّس، وأجوراً إضافية إذا نام مرتاحاً!

أما الحرامية الكبار، فهذوله شكلهم مشمولين بالإعفاء الدائم، لا تسأل عنهم ولا تزعجهم، لأن جيوبهم مو ضمن الخطة الجبائية! وبعدين، إذا المواطن مات، لا تستعجلون بدفنه؛ يمكن بعدهم ما حاسبوه على ضريبة القبر وأجور إشغال الأرض!

وهكذا اكتملت الحكاية: دولة تبحث عن الإيرادات في أنفاس مواطنيها، ولا تفتش بما يكفي عن الأموال التي ضاعت من بين يديها. دولة تملك ثروات هائلة، لكنها تتعامل مع المواطن كما لو كان ماكينة صراف آلي لا تعرف العطلة ولا التقاعد ولا حتى الموت.

yaaas@hotmail.com

 


مشاهدات 25
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/11/08 - 3:21 PM
آخر تحديث 2026/11/09 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 217 الشهر 17378 الكلي 16667912
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير