الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
معبودة الجماهير

← بواسطة azzaman

معبودة الجماهير

كامل عبدالرحيم

 

قبل ظهيرة هذا اليوم، خرجت من البيت متوجها إلى فرن الخبز، ليس بالبعيد ولا القريب، لشراء خبز شعير بألف دينار. نادرا ما أخرج بملابس البيت (الدشداشة العربية)، لكنني اليوم فعلتها. لم يكن خبز الشعير وحده الهدف، بل أولا أشعة الشمس المحايدة هذه الأيام، وقطعة نستلة سوداء وبعض الموز.

أكملت تسوقي وعدت من الجهة الأخرى. وقبل وصولي إلى البيت بدقائق، وكان الشارع خاليا من السيارات والمارة، وفي آخر عطفة مؤدية إلى المنزل، انتبهت إلى فتاة انتصبت كرمح أمامي. التقت عيوننا لجزء من الثانية، كانت كافية لإعادة تعارفنا.

كنت قد كتبت عن (فتاة صغيرة) قبل أربع أو خمس سنوات، وسأضع ما كتبته نهاية هذه الوصلة.

كم كبرت الفتاة الصغيرة! استطالت ساقاها وكأنها تريد القفز إلى السماء. النظرات ذاتها، لكنها نضجت فأغلقتها بسرعة، وبالكاد شيعتني بشبح ابتسامة تحمل كل معاني الذاكرة والتباهي بالنضج، مع الرسالة: لقد كبرت يا عماه، فلا يصح أن أحدثك بعد الآن.

ماذا حصل لها في تلك السنوات الأربع لتغادر طفولتها؟ كانت تحمل كتبها على صدرها، فيما تركت أنوثتها الطارئة وكأنها سرقتها من الطريق أو من قريبة لها، تركتها معلقة على سيقان طويلة. كانت تقول: نعم، لقد غادرت طفولتي وبراءتي، وهذه النظرة العابرة هي آخر ما بيننا.

بدت مثل من برأ من مرضه، من براءته أو فقدانه لذاكرته، واستعاد عافيته. خجلت من دشداشتي، وقد عرفتني بهيئة غير مألوفة. افترقنا، وسمعت صوتا قويا، بل وحتى عنيفا، لغلق باب. لقد أغلقت باب بيتهم بقوة، ربما لتقول لي: هذا بيتنا يا عماه، أو لتقول إن كل شيء مغلق بعد الآن.

عدت إلى البيت وبحثت في هاتفي عما كتبته عنها قبل خمس سنوات، وبالأخص قرأت التعليقات. حزنت كثيرا لأن بعض المعلقين رحلوا، ومنهم العزيز علاء حسن. وكان الكثير من تلك التعليقات يعتب علي لأنني لم أجار الفتاة الصغيرة وقتها بالكلام والسؤال، واكتفيت برد التحية.

لم أجبهم حينها. اليوم ظهر الجواب بالحكمة نفسها: حكمة الصمت. ربما رأيت في الفتاة الصغيرة ما وجدته فيها اليوم، فالتزمت الحاجز الطبيعي للأشياء والحياة. بالجزء البسيط من تلك النظرة المتبادلة تحدثنا عن كل شيء، بالذات عن الإقبال والإدبار في الحياة، وكان كل شيء يقول لها: مرحبا بك في العالم…

 هذا الصباح، وأنا أخطو الزقاق الواصل بين المنزل والشارع العام، قاطعت همهمتي ووحدتي فتاة صغيرة تطوح بيدها كيس بقالة يحتشد برقائق البطاطا المقلية والسكاكر. كنا وحيدين في شارع خال، تحت شمس حارقة تمنع بعض أشعتها أشجار حدائق وشرفات بيوت مطلة.

كادت الفتاة أن تتجاوزني، غير أنها قالت بصوت خفيض: (هلو عمو)، ما دعاني للاستدارة عكس وجهتي لرد التحية. وقبل أن أكمل تحيتها بمثلها، كانت هي أيضا قد استدارت، فأصبحنا متواجهين ومعاكسين لوجهتنا.

بادرتني بالقول: (نجحت عمو، أنا الأولى، كلهن كلهن مئات).

في هذه اللحظة تغيرت الأشياء، فجاشت عندي المشاعر والأحاسيس. وجدت نفسي أعود إلى الوراء لزمن مضى، وفي الوقت نفسه رأيت الفتاة وكأنها تشبه العديد ممن عرفتهم: أصدقاء رحلوا… نساء… أبناء… بطلات سينما وشخصيات تعيسة في روايات تبعثرت أوراقها في ذاكرة مضطربة.

استطردت الفتاة وكأنها حدست تساؤلي، قائلة: أنا بالسادس.

خرجت الكلمات أو الغمغمات مني مدفوعة بفيض مشاعر مبهمة وامتنان أكيد. فلقد أخرجتني الفتاة الصغيرة من قبوي وأضاءتني بسحر ودفق سيلازمانني طوال اليوم.

وقفت محرجا ومرتبكا من الغبطة، ولا أدري ما أقول. ظهري إلى وجهتي، ووجهي شطر البيت والزقاق الذي استمر بتواطئه، فظل فارغا مثل مسرح بلا جمهور لعرض منفرد.

أنهينا تلك اللحظات المربكة والساحرة بأن قلنا في اللحظة نفسها: (باي باي عمو)، وعدت لطريقي.

تساءلت: ما الذي وجدته عندي الفتاة الصغيرة لتشاركني فرحتها؟ قد تكون يتيمة، أو هي ابنة لأبوين مشتبكين دائما بالنزاعات، فلا يلتفتان إليها. الكيس في يدها قد يشي بغير ذلك، وقد يكون العكس، فما تشتريه ليس لها.

قطعت أفكاري المبعثرة، أو انبثقت من عمقها، أغنية قديمة لعبد الحليم حافظ، عندما يقول:

(يا صحابي يا أهلي يا جيراني

أنا عايز أخدكو بأحضاني)

إنه الفرح والحب إذا فاضا، فلابد من سهم ونصيب للآخرين، الأقربين والمحبوبين وحتى عابري السبيل.

يقول علماء الفيزياء إن أربع قوى كبرى تتحكم بالكون، وهي قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية والقوتان النووية الكبرى والصغرى. لكن قوتين أهملهما العلماء تتحكمان بالحياة بكل أنواعها، وتفيض بدورهما إلى كامل الكون، وهما قوة الحب والفرح من جهة، وقوة الكراهية والظلام من جهة أخرى. لكنها جميعا تمتاز وتتصف بالتفاوت والتناقض.

في تلك الأغنية لعبد الحليم حافظ، التي غناها لأول مرة في فيلم (معبودة الجماهير)، من بطولته مع شادية، تصارحه الأخيرة بحبها لأول مرة. هي الفنانة المشهورة، وهو الكومبارس الذي يضع خطوته الأولى على سلم المجد، فيخرج إلى الشارع والعالم وهو ينشد (أحبك).

كان يصعد مرتقيا، فيما كانت هي تستدير من القمة صوب الضجر والضياع. التقيا في نقطة من الطريق ليفترقا، بمعادلة التناقض والتفاوت التي تتحكم بالقوى المعلومة والخفية.

فيلم (معبودة الجماهير) هو


مشاهدات 43
الكاتب كامل عبدالرحيم
أضيف 2026/11/07 - 1:54 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 15176 الكلي 16665710
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير