الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القراءة غير النقدية عند مايكل وارنر


القراءة غير النقدية عند مايكل وارنر

عادل الثامري

 

تمثل القراءة إحدى أكثر الممارسات الفكرية تعقيداً وتشابكاً، اذ تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والاجتماعية والثقافية لتشكّل طرقاً متنوعة لفهم النصوص والتفاعل معها. وبينما تهيمن القراءة النقدية على الدراسات الأدبية بوصفها الأداة الأساسية للتحليل والتأويل يطرح مايكل وارنر Michael Warner في مقاله "القراءة غير النقدية" — المنشور ضمن مجموعة Polemic: Critical or Uncritical بتحرير جين غالوب (2004) — إشكالية هذا الاحتكار الأكاديمي، ويتساءل عن مدى قدرة النقد الأدبي التقليدي على استيعاب التعدد الفعلي لأنماط القراءة. يسائل وارنر، عبر هذا المفهوم، الافتراضاتِ المسبقة حول التفوق المعرفي للنقد الأكاديمي، ويقترح نموذجاً أوسع يدمج الممارسات القرائية المتنوعة ضمن إطار تحليلي متكامل. يستكشف هذا المقال الأسس النظرية عند وارنر، ويبيّن كيف يكشف تحليله عن ديناميات القراءة في سياقاتها الاجتماعية المختلفة، ويعيد توجيه الاهتمام الأكاديمي نحو فهم أعمق لدور النصوص في تشكيل الجماهير والفضاءات الثقافية.

الأسس المعرفية

يُعدّ مفهوم وارنر "القراءة غير النقدية" إسهامه الأكثر وضوحاً في مناقشة إشكاليات المناهج النقدية. يواجه هذا المفهوم الصرامة المنهجية التي ترسّخت في الدراسات الأدبية، حيث باتت القراءة النقدية تُقدَّم باعتبارها الشكل الشرعي الوحيد للتفاعل مع النصوص. وبينما أصبحت المناهج النقدية الأكاديمية أكثر تعقيداً من الناحية النظرية، يتساءل وارنر عمّا إذا كانت هذه المقاربات تفشل في التعامل مع التنوع الفعلي في طرق تفاعل القراء مع النصوص. وقد قاده هذا التساؤل إلى طرح إشكالية أعمق: هل أصبح النقد الأكاديمي ضيّق الأفق بشكل مفرط في الوقت الذي يدّعي فيه بلوغ ذروة تطوره النظري؟

ان ما يميز اسهام وارنر هو تحديده للافتراضات المعرفية الضمنية التي يقوم عليها النقد المهني. يرى وارنر أن ممارسات القراءة الأكاديمية تعمل وفق ما يمكن تسميته "الامتياز النقدي"، وهي الفكرة التي تضع الناقد المحترف في مرتبة متفوقة على القرّاء العاديين في طريقة تفاعله مع النصوص. وينتج عن هذا التصور ما يمكن وصفه بالهرمية النقدية التي يدّعي فيها الأكاديمي امتلاك قدرة أعلى على القراءة الدقيقة أو النظرية مقارنة بغيره. ويرى وارنر أن هذه الهرمية موجودة عبر تقليد نقدي واسع الطيف، يمتد من النقد الجديد إلى التفكيكية وصولاً إلى الدراسات الثقافية.

يكشف تحليل وارنر كيف أن البنية المعرفية للنقد الأكاديمي—المبنية على افتراض تفوق المناهج الأكاديمية في القراءة—تقوض بشكل مفارق قدرتها على فهم كيفية عمل النصوص في السياقات الثقافية الأوسع. فمن خلال تعليم أجيال من الباحثين تفضيلَ أنماط قراءة محددة، أسهم النقد الأكاديمي دون قصد في تضييق أفقه وتقليص قدرته على إدراك أشكال التفاعلات النصية المتنوعة.

من الامتياز النقدي إلى القراءة غير النقدية

يتحدى مقال مايكل وارنر "القراءة غير النقدية" (2004) هيمنة القراءة النقدية في الأوساط الأكاديمية في إثبات أن ممارسات القراءة التي توصف بـ "غير النقدية" تمثل في الواقع أنماطاً ثرية ومنظّمة للتعامل مع النصوص، وتستحق اهتماماً علمياً مستقلاً. يصف وارنر كيف تنظر ثقافة القراءة النقدية إلى قريناتها بوصفها أشكالاً من التعرف والانخراط العاطفي والتشتت والتقوى والحماس والحرفية والنفور والتشتت، موصوفةً جميعها بأنها "غير منتظمة وغير منضبطة"، وأنها "بحكم تعريفها ليست تأملية ولا تحليلية، وعليها إثبات عدم صلاحيتها، أي أن تتحوّل إلى مادة للقراءة النقدية، حين تُوضع موضع المساءلة" (ص 15). يكشف هذا الرفض عن التحيز المؤسسي الذي يعتبر القراءة غير النقدية ناقصةً بطبيعتها، بدلاً من الاعتراف بأنها تعمل وفق منطق مختلف لكنه مشروع.

يستعرض وارنر بشكل دقيق كيف تُشكّل أشكال مختلفة من القراءة غير النقدية- من الالتزام الديني إلى الانخراط الإيروتيكي - ممارساتٍ معقدة بضوابطها الداخلية الخاصة. ويرى وارنر أن "أبرز الأمثلة على هذه القراءة غير النقدية هي أساليب القراءة الدينية المختلفة، لكنها ليست الوحيدة. ومن نقاط المقارنة المثيرة للاهتمام القراءة الإباحية التي غدت ممارسةً مألوفة ومتطورة في حقبة صعود القراءة النقدية" (ص 16). تقوض هذه الأمثلة الثنائية التبسيطية التي تصوّر القراءة النقدية عملية نشطة وتحليلية، بينما تُصوَّر القراءة غير النقدية سلبية وغير عقلانية. 

ويتجلى هذا بوضوح في مناقشة وارنر لأعمال سارة محمود عن التقوى الإسلامية، إذ يُلخّص وارنر موقفها بأن "التقوى في هذا السياق لا يمكن اعتبارها موقفاً غير نقدي [...] بل يجب النظر إليها بوصفها مشروعاً أخلاقياً، بمفهوم فوكو المتأخر، يهدف إلى تحقيق تصور معين للإنسان" (ص 18). يكشف هذا التحليل كيف تمثّل القراءة التعبّدية ممارسةً تأملية ومدروسة تهدف إلى التحوّل الروحي، وهذا يتحدى افتراض أن المسافة النقدية هي السبيل الوحيد للتفاعل العميق مع النصوص.

تأتي أقسى انتقادات المقال في كشفه عن النقطة العمياء الأكاديمية تجاه ممارسات القراءة البديلة؛ إذ يرى وارنر أن "القراءة غير النقدية هي لاوعي المهنة؛ فالعوالم التي تنظّمها أطر قرائية خلاف النماذج النقدية تظل، إلى حد بعيد، أراضي مجهولة" (ص 33). تلخص هذه العبارة حجة وارنر الأساسية في أن المجتمع الأكاديمي قد أهمل بشكل منهجي دراسة القراءة غير النقدية بوصفها ظاهرة مستقلة، إما برفضها تماماً أو بمحاولة استيعابها في الأطر النقدية السائدة.

الإطار البديل

وبهذه الحجج المترابطة، يُرسي وارنر أساساَ نظرياً لإثبات أن القراءة غير النقدية تشمل مجموعة واسعة من ممارسات القراءة - تعبدية وعاطفية وتفاعلية - التي تمتلك منطقها الخاص ووظائفها الاجتماعية وتستحق اهتماماً علمياً جاداً. ويعمل هذا البديل عبر أربعة مبادئ مترابطة:

أولاً) الانتباه لممارسات القراءة المتنوعة: يقترح وارنر دراسة كيفية قراءة النصوص عبر سياقات مختلفة - من المجتمعات الدينية إلى ثقافات المعجبين إلى الأطر العلاجية - دون تفضيل تلقائي لبروتوكولات القراءة الأكاديمية.

ثانياً) إدراك الوظائف الاجتماعية للقراءة: بينما يركز النقد الأكاديمي عادةً على معاني النصوص أو اشتغالها الأيديولوجي، يقترح وارنر الاهتمام بكيفية خلق ممارسات القراءة لروابط اجتماعية، وتشكيل مجتمعات، وتمكين أشكال معينة من فهم الذات.

ثالثاً) التعددية المنهجية: بدلاً من تبنّي القراءة النقدية منهجاً وحيداً مشروعاً، يدعو وارنر إلى تعددية منهجية تعترف بأشكال مختلفة من القراءة بوصفها أساليب ملائمة لسياقات وأغراض متنوعة.

رابعاً) التحليل الانعكاسي: يتضمن منهج وارنر وعياً انعكاسياً بكيفية عمل ممارسات القراءة الأكاديمية نفسها كأنشطة متموضعة اجتماعياً، بدلاً من اعتبارها معايير عالمية للتعامل مع النصوص.

يتميز منهج وارنر عن بعض المواقف ما بعد النقدية الأخرى في تناوله الصريح لمسألة الجمهور والتداول الاجتماعي. فعلى خلاف المنظّرين الذين يركزون بشكل أساسي على أسطح النصوص أو أشكالها، يُصرّ وارنر على أن فهم القراءة يتطلب الاهتمام بكيفية خلق النصوص لجمهور و"جمهور مضاد". وتتمثّل المهمة، إذن، في كيفية الاعتراف بممارسات قرائية متنوعة دون رفضها باعتبارها ساذجة أو اختزالها إلى أعراض للتلاعب الأيديولوجي.

يُعيد هذا المنظور توجيه الاهتمام من النص في حد ذاته إلى الديناميات الاجتماعية التي يولّدها، مع الحفاظ على حساسية تجاه تعقيدات الممارسات القرائية في سياقاتها المختلفة. وبدلاً من الاقتصار على تحليل البنى النصية أو الوقوع في فخ النقد الأيديولوجي التقليدي، يقدم وارنر إطاراً يسعى إلى فهم القراءة بوصفها ظاهرة اجتماعية-ثقافية معقدة تتجاوز الثنائيات البسيطة بين النقدي وغير النقدي.

يندرج إسهام وارنر ضمن سياق أوسع من المساءلة النقدية التي تشاركه فيها حركة ما بعد النقد، وإن كانت علاقته بها تتسم بالتعقيد والحذر. فقد استشهدت ريتا فيلسكي في كتابها حدود النقد (2015) بمقاله بوصفه من المؤثرات المبكرة، وصنّفته مع إيف سيدغويك التي طوّرت مفهوم "القراءة الترميمية" بديلاً للنقد الارتيابي. غير أن وارنر، على خلاف سيدغويك، لا يقترح منهجية بديلة، بل يبقى في مساءلة تأملية مفتوحة تتساءل عن أسباب تقدير بعض ممارسات القراءة وتهميش أخرى.

ويظهر هذا التوجه أيضاً في أعمال وارنر الأوسع، لا سيما في كتابه الجمهور والجمهور المضاد (2002)، الذي يدرس فيه كيف تُنشئ النصوص جماهير وروابط اجتماعية بفعل التداول. ويرتبط هذا التحليل مع تحوّل ما بعد النقد من السؤال عن "معنى النصوص" إلى السؤال عمّا "تفعله النصوص" في العالم. ومع ذلك، يبقى وارنر ملتزماً باهتماماته الأكاديمية الخاصة — نظرية الكوير ودراسات المجال العام — ما يجعله شخصية مؤثرة في أفق ما بعد النقد دون أن يكون مشاركاً مركزياً فيها.

خاتمة:

يُقدّم مايكل وارنر عبر مفهوم القراءة غير النقدية إعادة توجيه لكيفية التعامل مع النصوص في الفضاء الأكاديمي. فبدلاً من الاكتفاء بنقد النقد ذاته، يفتح وارنر المجال لسؤال أعمق: ماذا يفوت الأكاديمي حين يجعل من المسافة النقدية معياراً وحيداً للمعرفة؟ إن إعادة الاعتبار للممارسات القرائية التعبدية والعاطفية والتفاعلية هو توسيع لأفق النقد ليستوعب التنوع الفعلي لطرق اشتغال النصوص في حياة القراء ومجتمعاتهم وليس تخلياً عنه. وتكمن قيمة إسهام في الحرص على أن يظل السؤال عن القراءة سؤالاً مفتوحاً.

 

 

 

 


مشاهدات 59
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/11/03 - 2:51 PM
آخر تحديث 2026/11/04 - 2:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 263 الشهر 6824 الكلي 16657358
الوقت الآن
الأربعاء 2026/11/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير