الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يحتاج النزيه إلى حماية.. الإنصاف الوظيفي وثقة العاملين بمؤسّسات الدولة

← بواسطة azzaman

حين يحتاج النزيه إلى حماية.. الإنصاف الوظيفي وثقة العاملين بمؤسّسات الدولة

رياض فاضل الفيلي

 

تبدأ مشكلة الموظف الملتزم حين يكتشف أن أداء واجبه لا يكفي لضمان الإنصاف في مكان عمله. فهو مطالب باحترام التعليمات، والمحافظة على المال العام، والتعامل العادل مع المواطنين، لكنه قد يجد أن فرص الاستمرار والتقدم ترتبط بعلاقات لا تدخل في وصفه الوظيفي. عند هذه النقطة، يتجاوز القلق حدود الوظيفة، ليطرح سؤالًا عن قدرة المؤسسة على حماية القواعد التي تطلب من العاملين الالتزام بها.

ترجمة القناعات

حمل كثير ممن دخلوا مؤسسات الدولة العراقية بعد عام 2003 أملًا في الإسهام ببناء إدارة أكثر عدلًا وكفاءة. وكانت التجربة، بالنسبة إليهم، فرصة لترجمة قناعاتهم إلى عمل يومي. ومع مرور السنوات، اصطدمت هذه التطلعات بصعوبات متراكمة، كان من أشدها أثرًا الشعور بأن الالتزام المهني قد يضع صاحبه في موقع أضعف من موقع من يمتلك سندًا سياسيًا أو شبكة علاقات نافذة.

تستحق هذه المشاعر الاستماع، لكنها تحتاج أيضًا إلى قراءة تتجاوز التعاطف مع أصحابها. فالمؤسسة لا تستطيع أن تعتمد على وصف الأفراد لأنفسهم بالنزاهة، كما لا يصح أن تترك تقدير كفاءتهم لمن يختلف معهم أو يتضرر من قراراتهم. المطلوب معايير معلنة، وأسباب يمكن مراجعتها، وإجراءات تمنح الموظف فرصة الدفاع عن أدائه. بذلك تتحول الشكوى من إحساس شخصي بالغبن إلى قضية قابلة للفحص والإنصاف.

ومن الضروري هنا التمييز بين حق الموظف في معاملة عادلة واعتقاده بأحقيته الدائمة في موقع معين. فالتغيير الإداري قد يكون مطلوبًا، وتداول المسؤولية يتيح تجديد العمل. لكن قيمة التغيير تتحدد بأسبابه ونتائجه: هل استند إلى تقييم مهني؟ هل منح المؤسسة قدرة أفضل على أداء مهماتها؟ وهل طُبقت المعايير ذاتها على الجميع؟ هذه الأسئلة تجعل النقاش أكثر دقة وأقل ارتباطًا بالأشخاص.

حين تغيب الإجابات الواضحة، تتسع مساحة التأويل، ويبحث العاملون عن وسائل أخرى للاطمئنان إلى مستقبلهم. وقد يبدو الاقتراب من جهة نافذة خيارًا عمليًا لمن يخشى الإبعاد أو التعسف. لا يعني ذلك تبرير كل اختيار، لكنه يساعد على فهم البيئة التي تجعل الحماية الشخصية أكثر إغراءً من الثقة بالإجراءات. ومواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتقليل الحاجة إليها، عبر ضمانات مهنية يستطيع الجميع الاعتماد عليها.

أما الاكتفاء بمطالبة الأفراد بالشجاعة، فيحمّلهم عبئًا يتجاوز قدرتهم في بعض الأحيان. للموظف أسرة والتزامات ومستقبل يخشى عليه، وقد تكون كلفة الاعتراض مرتفعة في تقديره. لذلك فإن الدفاع عن السلوك المهني يحتاج إلى ترتيبات واضحة تتيح تسجيل الاعتراض، ومراجعة القرار، وحماية صاحبه من المعاملة الانتقامية. وكلما كانت هذه الوسائل مفهومة ومتاحة، ازدادت فرص معالجة الخلل داخل المؤسسة. وتبرز هنا مسؤولية الزملاء، لا سيما الذين جمعتهم تجربة طويلة وقيم مشتركة. فالتضامن المهني لا يفترض الاتفاق في كل موقف، ولا يمنح أحدًا حصانة من المحاسبة. معناه أن يحصل المختلفون على الفرصة نفسها في الاستماع والتحقق والإنصاف، وأن يرفض العاملون التجاوز على الإجراءات حتى عندما يقع على شخص لا تربطهم به علاقة وثيقة. بهذا المعنى يغدو التضامن دفاعًا عن شروط العمل التي يحتاج إليها الجميع.

وفي المقابل، تستحق تجارب الملتزمين مراجعة من داخلها. هل جرى توثيق المشكلات في وقتها؟ هل استُخدمت فرص التعاون المتاحة؟ وهل ارتبط نجاح بعض الأعمال بأشخاص أكثر مما ارتبط بنظم مستقرة؟ طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من الجهد المبذول، بل يساعد على فهم أسباب تعثره، ويتيح الإفادة منه بدل الاكتفاء باستعادة ما رافقه من مرارة.

وقد يكون أحد دروس التجربة أن حسن النية يحتاج إلى معرفة إدارية وقدرة على بناء إجراءات قابلة للاستمرار. فالموظف الحريص الذي يحتفظ بخبرته لنفسه يترك فراغًا عند مغادرته، بينما يتيح توثيق العمل وتدريب الآخرين وتحديد المسؤوليات بقاء أثره. وتزداد قيمة النزاهة عندما تقترن بالكفاءة، لأن حماية المال العام تشمل استخدامه بصورة تحقق الغرض منه، إلى جانب منع التجاوز عليه.

اهمية الاجتهاد

ويمتد أثر هذه القضية إلى خارج الدوائر الرسمية. فالأبناء الذين يسمعون عن أهمية الاجتهاد والاستقامة يقارنون ما يسمعونه بما يرونه في حياة أهلهم. وعندما تتكرر أمامهم حكايات الخذلان، قد يفسرونها بوصفها دليلًا على ضعف جدوى القيم. وهنا تقع مسؤولية إضافية على أصحاب التجربة: أن ينقلوا ما تعلموه بصدق، مع تجنب تحويل الإحباط إلى حكم نهائي على إمكان الإصلاح.

ومن حق الجيل الجديد أن يعرف أن التمسك بالقانون لا يضمن لصاحبه طريقًا سهلًا، وأن المطالبة بالحقوق تحتاج إلى وعي وتنظيم ومثابرة. ومن حقه أيضًا أن يرى إنموذجات عملية للإنصاف، مهما كانت محدودة، وأن يفهم كيف تحققت. فالثقة تنمو عندما يجد الناس صلة بين القيم المعلنة والقرارات اليومية، ويعرفون أن الخطأ يمكن مراجعته وأن المسؤولية لا تعفي صاحبها من المساءلة. ويمكن البدء بخطوات إدارية محددة: إعلان معايير اختيار المسؤولين، وتسبيب قرارات الإعفاء والنقل، واعتماد تقييم دوري موثق، وتوفير جهة واضحة لتلقي التظلمات ومتابعتها. وتحتاج هذه الإجراءات إلى تطبيق متسق، وإلى إبلاغ المعنيين بنتائج المراجعة خلال مدد معلومة. كما أن الفصل بين الخلاف الشخصي وتقييم الأداء يساعد على تقليل الشعور بأن مستقبل الموظف مرهون بمزاج مسؤول واحد.

وتبقى للقيادات الإدارية مسؤولية مباشرة في هذا الجانب. فطريقة تعاملها مع اعتراض مهني، أو خطأ قابل للتصحيح، أو شكوى من موظف محدود النفوذ، تقدم للعاملين تعريفًا عمليًا للعدالة داخل المؤسسة.

وإذا أرادت منهم المبادرة وتحمل المسؤولية، فإنها تحتاج إلى طمأنتهم بأن الاجتهاد يُقيّم بموضوعية، وأن الاختلاف المهني المنضبط لا يتحول إلى سبب للإقصاء.

إن حماية النزاهة شأن مؤسسي تتكامل فيه القواعد والرقابة وثقافة العمل. وحين يجد الموظف أن حقه في الإنصاف محفوظ، بصرف النظر عن علاقاته وانتمائه، تتراجع حاجته إلى البحث عن سند خارج مؤسسته. ذلك هدف يمكن قياس التقدم نحوه من خلال قرارات عادية تتكرر كل يوم، ويستطيع المواطن أن يلمس نتيجته في خدمة أفضل وإدارة أكثر عدلًا.

 

 


مشاهدات 94
الكاتب رياض فاضل الفيلي
أضيف 2026/11/03 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/11/04 - 2:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 261 الشهر 6822 الكلي 16657356
الوقت الآن
الأربعاء 2026/11/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير