الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ضريبة كلمة الحق

← بواسطة azzaman

ضريبة كلمة الحق

علي عبد الامير جاسم

 

في زمنٍ تُقاس فيه المواقف بالتبعية والمصالح، وتُدار فيه الشؤون بمنطق الصفقات لا الكفاءات، تصبح الكلمة الحرة جريمة لا تُغتفر، ويتحول الدفاع عن المال العام وكرامة الوطن إلى تهمةٍ توجب الحبس. وما تشهده مدينة بابل العريقة اليوم من محنةٍ لقاماتٍ وطنية خالصة، يمثل الوجه الأوضح لمعادلة أُقيمت بالمقلوب تماماً.

ففي أول يومٍ يقضيه الدكتور محمد المنصوري ورفيق دربه الملا قاسم خلف أسوار السجن، تتردد كلمات المنصوري الأخيرة كوصية أحرار لا تهاب الجدران، وهو يقول بوجع الشرفاء:

(طالبت بمقاضاة الفاسدين فحكموني بالحبس.. فلتسامحني بابل أني ما خنت العهد!)

هذه الكلمات البسيطة في مبناها، العظيمة في معناها، تلخص مأساة المشهد؛ حيث يُعاقب من يرفع صوتاً بالحق ومكافحة الفساد، بينما يُترك ناهبو المال العام ومخربو مقدرات الشعب أحراراً يتمتعون بالإفلات التام من العقاب. إنها مفارقة مؤلمة أن يُسجن من دافع عن بابل وأراد لها الإصلاح، وتُغض الطرف عن ملفات الفساد الكبرى.

لكن التاريخ، الذي لا يُزور ولا يُخدع، سيظل الشاهد الأمين على أن ثمن النزاهة وإن كان باهظاً، فهو التاج الحقيقي الذي يرتديه الرجال الشجعان. لقد اختار الدكتور محمد والملا قاسم طريق النقاء، رفضا المُداهنة، ولم يبيعا الضمير من أجل منصبٍ أو مال، فكانت ضريبة هذا الثبات هي الحبس المؤقت خلف الأسوار.

إن الأجساد قد تُحجز، والزنزانات قد تُقيد الخطى، لكن المبادئ السامية والضمائر الحية لا تُسجن أبداً. وستبقى بابل وفية لأبنائها الأحرار الذين لم يخونوا العهد، ولن يطول ليل الظلم مهما اشتدت عتمته.

سلامٌ على من دفعوا حريتهم ثمناً لكرامة وطنهم، وسلامٌ على صوت الحق الذي لا يهزمه سجنٌ ولا تُرهبه القرارات.


مشاهدات 85
الكاتب علي عبد الامير جاسم
أضيف 2026/10/28 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 4:21 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1783 الشهر 60133 الكلي 16645302
الوقت الآن
الخميس 2026/10/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير