الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تجليات الفكر الثوري والوعي البديل في الشعر النسوي العراقي مجموعة (صخب المرآة) لفائدة آل ياسين.. انموذجا


تجليات الفكر الثوري والوعي البديل في الشعر النسوي العراقي مجموعة (صخب المرآة) لفائدة آل ياسين.. انموذجا

اسراء حسين جابر

 

1 قسم اللغة العربية، كلية الآداب، الجامعة المستنصرية، العراق

المُلخّص

يقدم البحث تحليلا نقديا سوسيولوجيا للشعر النسوي العراقي متخذا من مجموعة (صخب المرآة) لفائدة آل ياسين أنموذجا تطبيقيا يتجلى فيه التمرد الفكري والتأسيس لوعي جمالي وانساني بديل، ويسلط الضوء على قدرة الشاعرة في الانتقال من الاطر العاطفية التقليدية الى الخطاب الثوري الذي يفكك المنظومة الذكورية والبنى السلطوية السائدة في المجتمع، فيبين كيف تحول الصخب الشعري من مجرد انفعال آني الى اداة معرفية بديلة تسعى الى اعادة تعريف الذات والحرية والهوية النسوية من خلال توظيف الموروث والدلالات الرمزية المكثفة وربط الذات بالوطن والتمرد والوجود.وخلصت الدراسة الى ان مجموعة (صخب المرآة) تعكس نضج التجربة الشعرية النسوية في العراق، فهي تمثل وثيقة أدبية وفكرية لها القدرة على تغيير الواقع الثقافي، فالشعر النسوي اصبح صانعاً لوعي بديل يطمح لبناء مجتمع أكثر عدلاً وحرية بدلا من أن يكون صداً للنمطية المتوارثة.

الكلمات المفتاحية: المواجهة؛ الذات؛ الأبوية؛ النسوية؛ المعرفة.

 

المقدمة

تركز الدراسة على رصد وتفكيك مكامن الفكر الثوري الذي يشكل ظاهرة في الشعر النسوي العراقي، ونعني بذلك النصوص التي تتضمن مواجهة ثقافية وتمردا على السلطة الذكورية التي تهمش وجود المرأة وتضعها في خانة التشيؤ والتنميط.

والهدف يكمن في تتبع الأفكار والمعتقدات التي تشكل مواجهة لما هو سائد ومتعارف عليه سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي، إذ يصاحب المنجز رغبة في التحرر وكسر القيود وإثبات الوجود الإنساني، وإعادة قراءة الذات الثائرة في ضوء النظرية النسوية التي تؤسس لوجود المرأة الموازي لوجود الرجل، حتى بدت الكتابة النسوية بحد ذاتها ثورة على واقعها وعلى الكثير من القيم الزائفة، فالنص الشعري النسوي يشكل خطابا ثقافيا يتضمن روح المواجهة والرفض لأغلب الثوابت التاريخية الزائفة التي تحكمها قيود السلطة الأبوية التي تسعى إلى تهميش المرأة ومنجزها.

وقد تم انتخاب نصوص للشاعرة العراقية (فائدة آل ياسين) التي استثمرت الفضاء الذي توفره قصيدة النثر لتنسج نصوصا تمتاز بالوعي والقصدية في المواجهة والثورة المعرفية لإثبات ذاتها الأنثوية ورفض اشكال الاستلاب الثقافي والاجتماعي.

أما أهمية الدراسة فتتحدد في توثيق الأدوات الثقافية التي تعد مواجهة معرفية، كمواجهة الصورة الجندرية التي أسسها النظام الأبوي، كذلك المواجهة المعرفية التي تؤسس من خلاله خطابا يتضمن وعيا ثورياً يحاول تغيير المهيمنات الثقافية السائدة تاريخياً ومنح الذات الأنثوية خصوصية ثقافية واجتماعية متعالية على الدونية.

لذلك هدفت الدراسة إلى تعريف القارئ بماهية الفكر الثوري وكيفية تمثله في النص الشعري النسوي، فضلا عن لفت انتباهه إلى شاعرة غُبِن حقها في دراسة منجزها الشعري أما المنهج المتبع فهو المنهج السوسيونصي الذي يجمع بين الدراسة الداخلية والخارجية للنص، فضلا عن الإفادة من طروحات النظرية النسوية وهذا ما استدعى أن نقسم الدراسة على ثلاثة محاور: الأول: التعريف بالشاعرة فائدة آل ياسين والثاني: يقف عند ماهية الفكر الثوري، والثالث: محور تطبيقي يعنى بتحليل نصوص الشاعرة التي تتضمن الفكر الثوري.

المحور الأول:  ماهية الفكر الثوري

الفكر الثوري يمثل مجموعة من الآراء والأفكار التي تتضمن مواجهة ورفّضاً وتمرد على بعض الثوابت الاجتماعية والسياسية والثقافية، الغرض من ذلك خلق واقع مغاير وتأسيس لقناعات أكثر انفتاحا وتفهما لما هو كامن وراسخ.

وتعد الشرارة الحقيقية للفكر الثوري طروحات ماركس التي تمثل تياراً يقوم على تأسيس نظرة جديدة للواقع المعاش، وتركز على رفض النسق المنغلق على نفسه، وتقدم نتائج مختلفة ومضادة في بعض الأحيان.

وبما أن الثورة تمثل " حركة تؤدي إلى تغير جذري في المجتمع دون عنف أو قهر " (صليبا، 1385هـ، صفحة 382)

فإن خير من يمثلها الحركة النسوية الأدبية التي سعت وتسعى إلى تغيير الثوابت الاجتماعية وتغيير النمط التقليدي للمرأة على اعتبارها " اشياء، ليست لها قيمة إلا بمقدار ما تخدم أهداف البطل الذكر أو تنقص منها" (نيوتن، 2018، صفحة 415) بمعنى أنها تحاول أن تصحح انحرافات جعلت المرأة في مكانة ثانوية؛ تتجاهل قيمتها وخبرتها المعرفية والتقليل من شأنها، وكأن هناك شكلاً مقولباً تم إضفاء المادية عليه.

ولعل الخوض في غمار الثورة والنسوية يذكرنا بمقال لريتا فلسكي حمل عنوان (قطع الزمن: النظرية النسوية والثقافة ما بعد حداثوية) تحاول فيه أن تبين جهود ماركس في وضع طريق للتفكير ومواجهة الأفكار التقليدية فيقترح مصطلح (علم الجمال النظير) والذي يحاول من خلاله شرح لأهمية الأدب والفن في مواجهة الثوابت، فهو يرى: أن قيمة الفن تكمن في " مقاومة التجريد والدوغمائية [الجمود العقائدي] ومزاعم [امتلاك] الحقيقة.إن بيتاَ من الشعر أو لوحة يتطلبان انتباهنا بطريقة معينة وهو ما يدعونا الى التركيز على الخصوصي والمغاير، على ما يقاوم التفكير المنظومي ويدحض التفوق المفاهيمي " (ايجلتون، 2011، صفحة 69) فهو جمال انقلب ضد ذاته، ويسعى لجعل الفن والأدب شكلاً من اشكال المقاومة للمعنى وللاستعمال.

وتبين كيف أدى "التحول (الجمالي النظير) ضمن النظرية النسوية إلى اشتباك أكثر جدية وجوهرية مع الجمالي كظاهرة سلبية وظاهرة ايجابية.فهي سلبية لأن الصور والمجازات والسرديات المعرفة ذكوريا هي قوية وغامرة، ولا يمكننا ببساطة أن ننزع هذه التمثيلات الزائفة لنكشف واقعا انثوياً نقياً واصيلاً، وأن أية محاولة من النساء لتصوير منظور النساء تقع في شرك شبكة من البلاغي والسردي والمجاز تشكلها رموز وتقاليد ثقافة متمركزة حول القاموسي.بهذا المعنى، لا يمكن للنسوية أن توجد خارج الارث المعرف ذكوريا للتمثيل الجمالي" (ايجلتون، 2011، صفحة 72).

ويتطلب الجمالي _وفق رؤيتها – قيمة إيجابية تكمن في " اللغة والثقافة في تشكيل الواقع، فإن مساءلة التمثيل يمكن أن تصبح وسيلة قوية لمساءلة العالم الاجتماعي" (ايجلتون، 2011، صفحة 72)

وقصيدة النثر النسوية العراقية الحداثية تبدو وكأنها بنيت على تفكيك البنى الثقافية المركزية التي شكلت الوعي الجمعي حتى اصبحت أنساقاً خطابية تنتج ثيمات مختلفة.فالذات الأنثوية ليست صورة ثابتة بل تشكيل دائم التحول، فالمرأة تتشكل داخل نصوصها بنية دلالية تخلق أنماطاً جديدة تكسر مركزية السائد لتكون منجزا ثقافيا له حمولاته اللغوية والتخيلية والفكرية؛ بمعنى أنها أسست لوعي نسوي يتضمن فكراً ثورياً مغايراً يُبنى على تصورات قائمة على بنية اختلافية داخلية.

فالفكر الثوري يتمثل في تفكيك الثوابت التاريخية، وأن تكتب بوعي ثقافي ينبعث عن معرفة قصدية بالخطاب النسوي الحداثي في مواجهة معرفية على مستوى الإبداع لاسيما التجربة الكتابية التي تقاوم المدونات التي تقدم المرأة وفق منظور ذكوري.

المحور الثاني:   تجليات الفكر الثوري والوعي المعرفي البديل في مجموعة (صخب المرآة)

من يقرأ نصوص الشاعرة فائدة آل ياسين لاسيما مجموعتها الشعرية (صخب المرآة) لابد أن يلمح الطاقة الانثوية واللغة الايحائية التي تعكس مكنونات الذات ويجد صور المواجهة للتشيؤ والنمطية التي فرضتها الثقافة الذكورية، وكأن الشاعرة استثمرت قصيدة النثر التي تمتاز بالتكثيف المتأتي من الرمزية الموحية لتكتب بوعي معرفي بديل يتصدى بالصوت والحرف والكلمات لتثبت ذاتها ثقافيا مؤكدة أنها كيان له وجوده المؤثر في مجتمعها، وعليه حرصت على استعادة ما سلبته الثقافة الأبوية من خلال خلق وجود موازي ومتساوي بعيداً عن الصراع والتسلط وكأنها تحاول معالجة أسباب التحيز وتأسيس لوعي ثقافي يشكك " في معطيات الثقافة الابوية، وإعادة النظر في الوعي الناقص الذي لازمها عبر التاريخ فروج لصلاحيتها الابدية ثم سحب الثقة من المسلمات القابعة ثناياها وإبطال مبدأ الهيمنة القابعة في مفاصلها الاساسيّة" (ابراهيم، 2010، صفحة 101) فهي بذلك تتمرد على النسق التاريخي الذي همش المرأة ووضع هالة التقديس حول الهيمنة الذكورية ومركزيتها الثقافية والاجتماعية.

فإذا كان الفكر الثوري مواجهة وتمردا فإن طبيعة هذا التمرد يكمن في نصوص الكاتبة بصيغ عدة منها العنوان كونه العتبة الأولى التي تمثل رسالة مشفرة يفككها المتلقي ويؤولها بلغته، فهي نظام دلالي رمزي له بنيته السطحية ومستواه العميق مثله مثل النص تماماً (قطوس، 2001، صفحة 33)، فالعنوان نص مصغر يختزل النص الرئيس ويفك بعض استغلاقاته (جلاب، 2018، صفحة 127)، اي أنه حمل سمة الثورية من خلال استخدام ألفاظ تتضمن طاقة ثورية معرفية كما في قصيدتها (منقار الصرخة) فالعنوان يحمل دلالة تعبيرية ورمزية تعتمد التشخيص والمفارقة من خلال استعارة الصراخ وهو صفة وتعبير صوتي حاد ينبع من داخل الإنسان جراء ألم أو خوف أو ثورة للمنقار الذي تتحدد مهمته البيولوجية عند الطائر بالأكل والدفاع والتغريد، وكأن الكاتبة تريد أن تحول الصرخة من مجرد صوت عابر إلى أداة حادة مدببة قادرة على الجرح والنقر، وكما أرى فإن الصرخة هنا ليست ضعفا بقدر ما هي هجوم وتحدي ومواجهة، فصورة المنقار المدبب وهو يصرخ يوحي باختراق الصمت والقمع والقيود، في بذلك تتحدى ذاتها ومجتمعها، وحين نطالع القصيدة نجد على المستوى اللفظي متوالية من المفردات التي تتعلق بالصوت(الصرخة-الصوت-الحنجرة-الحرف –الكلمة –الصدى -هديل -الاجراس-صفير الابواق-رعد) وكأنها قصيدة ثائرة تعلن زغاريد الحرية لخلاصها من النظام الدكتاتوري الذي كمم الافواه وقيد الكلمة الصادقة المعبرة عن وجودها وعقيدتها:

صدقني..صدقني

إن الصوت يصارح حنجرتي

لابد لها أن تطلق تهويمتها المرة

فتباغتها نيران الحرف على الكلمات

تفتح أبواب الماضي والآتي

لصدى المديات

فلقد ضاقت كل حمامات الأضرحة الحرة

من طول الصمت  (ياسين، 2011، صفحة 7)

فالنص هنا يحاول تهيئة ذهن المتلقي بنية كسر حدود الصمت وإعلان الكلمة الحرة والصوت المؤثر والتمرد على كل من يحاول جعل المرأة ذاتا مقيدة وتابعة، هذه الفكرة تُقدم ضمن صورة شعرية تبدؤها الشاعرة بأسلوب الطلب (صدقني) للفت الانتباه ومن تشخيص للصوت والحنجرة وجعلهما كيانين يحث أحدهما الآخر لإطلاق الكلمة الحرة التي تبدأ خافتة لكن سرعان ما تشتعل حماسة ورغبة في مواجهة السلطات التي تحاول اخضاع الذوات إلى فكرها، فالقصيدة تبدو وكأنها تعلن الصراع الابدي ما بين الصمت والصوت (حنجرتي) وإقرارها بعدم الاستسلام للكبت وهذا بحد ذاته إعلان صريح بالثورة، فعلى الرغم من اعترافها بأن الكلام لن يكون سهلاً أو ساراً وانما سيكون محملا بالمرارة والألم، أما قولها (نيران الحرف) فهو تعبير يتضمن طاقة ثورية توحي للمتلقي بقدرة مكبوتة ورغبة في أحداث تغيير صادم للمدونات التاريخية الجامدة، فالمرأة أرادت أن يكون لها دور ومساهمة توعوية لكشف المخاطر التي تطال البلدان العربية وتدق فيها أجراس الخطر لتشير إلى التحولات السياسية واحتلال الأراضي العربية.

صدقني..صدقني

النهضة تدنو..تدنو من بؤبؤ عيني

الوقت يواصل ركضته

فوق مشارفنا الفجة

ليغمس منقار الصرخة في لحمي

لم يبق لدينا

لصفير الأبواق

إلا خطوات

فلان الصوت الآتي رعدا

قد مات (ياسين، 2011، صفحة 8)

هنا صورة تحمل مفارقة بين الهدف في إيجاد الهوية وبين الواقع المخيب للآمال، صراع بين السعي والخذلان، فالكلمة الحرة لن تجد الطريق معبداً، فكلما تمردت الكلمة وقوت فإن مصيرها النهاية، وكأنها تشير إلى حال الكثير من الأصوات الحرة التي نطقت بالحق ودفعت مصائر شعوبها نحو النهاية بدليل (منقار الصرخة في لحمي، فلأن الصوت..قد مات).

لقد أسهمت التراكمات الثقافية، في إقصاء المرأة وتهميشها، من خلال تغييبها معرفياً واجتماعياً، وهذا ما خلق انكساراً واغتراباً وأسس لما يعرف بقلق التأثير.هذا الصراع ولّد في المقابل وعياً جديداً وخطاباً بديلاً يحمل في طياته إعادة تعريف لذاتها خارج حدود الخطاب السائد.

وهذا ما تجسده أيضا قصيدة (أسرار مدينتنا) التي توحي بوجود جانب غير معلن وغامض وكأنها بذلك تعد ذهن المتلقي برحلة استكشافية لما هو كامن خلف الجدران:

صوت مبحوح يتدلى من جوف الحرف

يطعن خاصرتي

لا أعرف من أين أتى

إلا من أوتار السمفونيات الملغاة

فلأن الورق المصفر المتهاوي

في حجري...أوصاني

بالصمت وكتم الاسرار

وأنا لا أتقن كم الأفواه إلا شفتي (ياسين، 2011، صفحة 10)

هنا تدخل الكتابة النسوية في مغامرة الرمزية، فهي تبدأ النص بتساؤل (من يفتح شباك الورقة..ليرى اسرار مدينتنا الموبوءة بالحب)، فالصوت المبحوح المتدلي من جوف الحرف ما هو إلا تحد معلن للمواجهة، والسعي وراء الوجود الهوياتي، فالنص يزخر برمزية تعكس الصراع بين الصمت والبوح بين الوجود الواعي واللا وجود، هذا الصوت المبحوح تمنحه الشاعرة صفات بشرية تكمن في قدرته على طعن خاصرتها بمجرد محاولته التمرد، في المقابل تصف أوراقها بالمصفرة المتهاوية الكامنة في حجرها، وفي ذلك دلالة على قدم تلك الاوراق وكأنها تؤكد عجزها عن إعلان الأسرار المكتوبة عن مدينتها بكل ما فيها من خيبات حب وخوف وهجران ووحدة مخزونة في الذاكرة بسبب القمع والقيود التي تحاصرها بدليل قولها (أوصاني بالصمت وكتم الاسرار)...

وتحاول الشاعرة دخول المنطقة التي تميزت بها النساء وتشترك بها مع الخنساء ألا وهو الرثاء؛ ربما يعود ذلك إلى طبيعة تكوين المرأة المتسم بالعاطفة والرقة، إذ تتخذ من الرثاء وسيلة للتعبير عن ألمها على من فقدت، فتبتكر أساليب ومعاني تنسج بهما صورها الشعرية المؤثرة كما في قصيدة (الصوت) التي ترثي فيها صديقتها نورة العاملي بجزئين أعطت لكل جزء صدى وكأنها تحاول أن تقول إنما ستكتبه في رثائها هو ألٌم لن يسمعه غيرها، ففي الصدى الأول ترثيها وهي تفترش أوجاعها والمها جراء الفقد بعبارات (يتشظى جسدي، تصرخ أناتي، الوجع الأخرس، يئن، ماذا لو لم تأت أبداً؟، كفي تقبض كفي )...وفي الصدى الثاني (قبضتي تفتت الحجر، قبضتي تضمني )..وهي بذلك تعرب عن مشاعر الحزن، وأثر فقدان صيقتها على حياتها التي أصبحت خاوية بلا دعم أو مشاركة:

وقبضتي..تضمني

تضم حاجاتي المبعثرات

تبحث بين أسطري

عن أحرف ـأو كلمة أو لغة

لكنها تبقى معي حائرة

تصحو الجراح

فلا ترى من لغة إلا البكاء

فما تبقى بيننا

آهاتنا

وقبلة بلهاء (ياسين، 2011، صفحة 26)

ربما تحاول الشاعرة أن تبين صدمتها وحزنها الشديد من فقد صديقتها، وكأنها تحاول تشكيل ذاتها الوحيدة بعد الاعتياد على الحضور، فهي تبحث عن وسيلة تهدئ هذه المشاعر بلا جدوى، ففداحة الخطب الذي نزل عليها آثار عواطف ملتهبة متأثرة بهذا الحدث الاليم، لذا حاكت الفاظها في جمل تضمنت شآبيب الكآبة.

ولم تكتف الشاعرة بذلك بل حاولت أن تثور على النمطية واكتشاف الذات، بمعنى إنها خرجت عن الصورة النمطية التقليدية للمرأة لتعيد صياغة هويتها من خلال تمردها في التحرر من القيود والبوح الذاتي لتحول الهامش إلى مركز، وكأنها تستعيد الذات أو تعيد انتاج ذاتها من خلال صوتها.

ففي قصيدة (من يعرف اسمي اليوم) يوحي العنوان بوجود انتقالة ما بين الأمس واليوم على مستوى اكتشاف الذات، فتضعنا البنية الاستفهامية أمام مهمة الاجابة عن التحولات التي طرأت على مسيرة الكاتبة، وكأنها تعتز بهويتها وبذاتها اليوم والتي ابتعدت بها عن النمطية، فنقرأ:

قصف...

عصف...

طقس مبهور بالحزن

وفم ينزف آهات القهر

بصمت السنوات السوداء

محكمة الغلق

أقلام خرساء

أصابع مخضرة بعذوق الوجد

المحترف الأطراف

وصغار نزعت عنهم خطوات احبتهم

سجن وسجون

تفتح يوميا في قاع الدار

أبحث عن صوتي بين حشود الموتى

علّي القى حرفي الموؤد

لأرسم عنواناتي المحروقة

من يعرف اسمي اليوم (ياسين، 2011، صفحة 28)

هذا النص أشبه بلوحة سريالية تعكس معاني الاغتراب والفقد والبحث عن الذات، فهو يحمل بين طياته التحرر نفسه من الصمت والقيد الذي فرضته سلطة النظام السابق، صورة تتضمن صراعا بين زمنين الفاصل بينهما (عصف وقصف) أصوات، أنهت حكما كبل الجميع بالصمت الاجباري وصفته الشاعرة بـ (السنوات السوداء)، فتقدم سلسلة من الصور المأساوية عبر تقنية السرد لتبين ظلم تلك الحقبة (اقلام خرساء، وصغار نزعت..سجن وسجون) هذه المتوالية من الصور البلاغية المعتمدة على تراسل الحواس تؤكد انها تملك أدوات البوح لكنها مكبلة وعاجزة وكأن الأقلام فقدت صوتها، أو أن الكلمة الحرة تبحث عن وجودها وسط الظلم والضياع والجبروت، فهي تحاول أن تبين أثر الحروب في توليد مشاعر الفقد والألم وحرمان الأيتام من السند وتركهم لمصيرهم المجهول، وتوجه دفة النص نحو ثيمة الإغتراب (أبحث عن صوتي )...فهي تبحث عن صوتها وهويتها بين حشود بلا حياة، حتى حروفها دفنت حية، وبقيت تبحث عن ذاتها وتتساءل بحسرة عن اسمها وهويتها وسط الضياع والدمار وكإنها ترثي ذاتها ووطنها.

وفي قصيدة (شمعة) تمارس البوح وتعبر عن شوقها وحنينها الذي رسم على هيئتها الذبول كذبول الشمع، فالعنوان يشكل معادلاً موضوعياً لذاتها:

 

 

 

على ضوء شمعة

كتبت قصدي

وعيني

تراقب دمعتها النازلة

نزيف الدموع استفاق

على ومضة خافتة

من عيوني (..............ياسين، 2011، صفحة 35)

 

يعرب النص عن علاقة جدلية بين ذبول الشمعة ونزول دمعتها وبين ونزفها السحيق جراء شوقها لحبيبها، صورتان تتناغمان وترمي أحدهما بظلالها على الأخرى، فالشاعرة ترقب الشمعة وتصورها بكائن بشري له دموع ولها خطوات وتجلس وتقرفص وتسامر وتستجير، وتعانق سعف النخيل، وتهبط، وهي بذلك تعتمد التشخيص ضمن سياق سردي متتابع ينتهي بالهبوط لتشكل معادلاً موضوعياً لكوامنها، حتى أن تصويرها للشمعة وهي تجلس محنية الظهر مقرفصة هي صورة رمزية توحي بالذبول في مقابل روح الشاعرة الهزيلة، وتستمر بتجسيد العلاقة الجدلية وذلك يتصوير الشمعة وهي في (الركن تقبع) أما الشاعرة فتصور ذاتها بانها في (الركن تكبو)، وكلا الوصفين سواء أكان الإنطواء أو التعثر يحملان معنى الانكسار.

وفي قصيدة (النبراس) تظهر الثورة المعرفية من خلال توظيف الموروث:

نهضت من بين حشود السنوات

أنخيدوانا

تتهادى بدلال وخفر

فتميل مع النسمات

وتنثر في خطواتها القداح

وعطراً أزرق فواح

(..........ياسين، 2011، صفحة 43)

حاولت الشاعرة أن تفخر بذاتها الثائرة، فتشبه ثورتها في الكتابة بشخصية تاريخية مستقاة من الحضارات الأكدية القديمة وهي شخصية (انخيدوانا) وهي أميرة أكدية تمثل أقدم كاتبة وشاعرة حب وجنس، وصلت الى اعلى رتبة كهنوتية، وكأنها تعلن عن ولادة شخصية بطراز مختلف، شخصية لها الأثر والبصمة في مجتمعها.شخصية بخطوات ثابتة وفاعلة.

وتحاول الشاعرة أن تمنح نصوصها بعداً وطنياً من خلال إثبات وعيها الفكري وحبها العميق لوطنها العراق، حتى أنها أخذت تدرك أن كيانها جزء لا ينفصل عن كيان الوطن، وهي مشاعر تتلاقى مع الكثير من الشاعرات العراقيات اللواتي عبرن " عما يختلج في صدورهن من هموم الوطن ومشاكله وآلامه " (طبانة، 1974، صفحة.)53فالصوت النسوي له حضوره الوطني المتناغم مع الذات حتى بدت قضية الوطن وكأنها تجربة ذاتية، وهذا ما نلاحظه في قصيدة (العراق):

هنا وطني

يعرش بيتي على دربه

وما بين افيائه عشت يومي

وأحلام امسي

سقاني عطوفاً

وأطعمني الحب زاداً شغوفاً

وبين حنايا رؤاه تصلب عودي

وأزهر غصني

تعلمت بين رباه

حكايا سعيدة

ففيه كبرت

ودقت على بابه أول النبضات

وفيه تلمس قلبي حناناً رؤوفاً

ودونت فوق حجيراته

(..........ياسين، 2011، صفحة 69)

تمنح الشاعرة للوطن نبضا وروحا تتناغم وروحها، فتعتمد هنا الأسلوب الرومانسي المفعم بمشاعر الحب والألفة والطمأنينة التي تجدها في وطنها، فحب الوطن أحد المضامين التي سادت قصائد الشاعرة وشكلت ثورة على من يحدد الكتابة النسوية بنمط محدد، فالمرأة كالرجل من حيث حبها لوطنها، أي أنه طبيعة ماثلة في كل نفس، لذا نجد الشاعرة تسجل مشاعرها الوطنية من خلال جمل بسيطة عكست استمرارية هذا الحب من الصغر إلى اللحظة الآنية للكتابة، ودور الوطن في تكوينها العاطفي والفكري.

ويكمن الفكر الثوري أيضا في البوح والمواجهة الحرة وذلك بخلق صور تعتمد الموازنة مابين التاريخ والمعاصرة كما في قصيده (اخشى):

أخشى أن أكتب عنواني

فلأن الطير التهم

القطرات الأولى من حبر شفاهي

وبه أغلق آخر عنوانات الحرية (ياسين، 2011، صفحة 77)

القصيدة تحمل عنوان (أخشى) وهي بذلك تعرض مخاوفها من محددات الهيمنة الأبوية في تنميط الذات الأنثوية، فتحاول أن تعدد تلك المخاوف، أولها هويتها الثقافية التي تجدها ضائعة بسبب الهيمنة الذكورية التي قيدت حرية المرأة في التعبير، فالنص يوحي بفقدان الأمان وتكشف القيود التي تمارسها السلطة القمعية على الكلمة والفكر الحر، وقولها (حبر شفاهي )..تحمل معنى النهضة ومحاولة التعبير عن الرأي إلا أنها محاولات دائما ما تواجه بالقمع والتكميم، يبدو وكأن النص يقدم صورة للواقع الذي يقيد الكلمة الحرة ويجرمها:

أخشى أن أكتب تاريخي

فلأن الموؤدة لا زالت

تجلدني يوماً يوماً

وتبحث بين دفاتري الموشومة بالصبر

عن حرف يخرجها من قاع الخوف

لتفهم معنى الحرية (ياسين، 2011، صفحة 77)

في هذا الجزء من النص تحاول الشاعرة أن تبين خوفها المعاصر المرتبط بالمورث (وأد البنات) فتبدو كأنها تبحث في أسباب القمع والتهميش وتخجل من تاريخ الانثى التي ارتبط تاريخها بالوأد، فهي تخشى من جلد الموؤدة، التي تصورها وهي تبحث عن الانتصارات لذات الانثى من خلال الصوت والحرف للوصول للحرية، وهي بذلك تشير الى الوأد الثقافي المرتبط بكبت حرية التعبير واغتصاب الذات المكبلة بأسوار العادات والتقاليد، لذا تشكل القصيدة صرخة تمرد واحتجاج لإثبات الحق في الوجود والابداع.

أخشى أن أحضر في مربدنا الشعري لهذا العام

فلأن الشعراء والوزراء والخلفاء والامراء

منعونا ورمونا

بحجارة سجيل سوداوية

وإن طلقت العالم

بثلاث طلقات لا رجعة فيها

جاءتني التهمة جاهزة

من أني امرأة سلبية (ياسين، 2011، صفحة 78)

يعكس النص ثيمة الإغتراب الثقافي المرتبط بواقع المرأة، وهو إغترب بنيوي ناتج عن نظام ثقافي -اجتماعي -لغوي، يمارس بحق الأنثى، إغتراب قسري ينتج عبر الخارج قبل أن يستبطن في الداخل.

فالنص يمثل مواجهة وتحد للسلطة التي تتخير بعض الشعر


مشاهدات 75
الكاتب اسراء حسين جابر
أضيف 2026/10/28 - 1:36 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 4:21 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1783 الشهر 60133 الكلي 16645302
الوقت الآن
الخميس 2026/10/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير