لا أعرف كيف يمكن للإنسان أن يشرح لوطنٍ أنه ليس غريبا عنه
كيف أقول لسوريا إنني لا آتي إليها كسائحة؟
كيف أشرح أنني لا أبحث عن فندقٍ ولا عن برنامج سفر، ولا أريد أن أرى منها ما يراه العابرون؟
أنا فقط أريد أن أعود إلى المكان الذي بدأت فيه حكايتي
سوريا… أنا دلال
هل ما زلتِ تتذكرينني؟
هل ما زالت أشجار الياسمين التي مررتُ تحتها تتذكر دلال الصغيرة؟
هل ما زالت رائحة الياسمين تعرف الطريق إلى طفولتي؟
هل بقي شيء من ضحكتي عالقاً في شرفةٍ، أو في شارعٍ، أو على جدار بيتٍ كنت أمرّ بجانبه كل يوم؟
هل ما زالت مدرسة زهرة المدائن تتذكر تلك الطفلة التي لم تكن تعرف أن المدرسة ستصبح يوماً جزءاً من ذاكرة بعيدة؟
هل تتذكرني مقاعدها؟
هل ما زالت جدرانها تعرف شقاوتي، وضحكاتي، وتلك الأيام التي كنت أهرب فيها من المدرسة، وأعود إلى العالم وكأنني انتصرت على كل قوانينه؟
هل ما زالت أزقة حلب تعرف خطواتي؟
هل ما زالت شوارعها تتذكر طفلةً كانت تمشي فيها دون أن تفكر يوماً أنها ستكبر، وأن السنوات ستأخذها بعيداً، وأن العودة إلى تلك الأزقة ستحتاج ذات يوم إلى تأشيرة؟
يا حلب…
كم كبرتُ وأنا أحمل شيئاً منكِ معي
أحياناً أشعر أنني لم أغادر تماماً؛ اخذت جسدي فقط، أما طفولتي فما زالت هناك، تركض في أحد أزقتكِ، تضحك، وتعود إلى البيت متأخرة، وتختلق الأعذار لشقاوتها
ولهذا يؤلمني اليوم أن أصبح أمام أبواب سوريا امرأةً تحمل جوازاً وتحتاج إلى تأشيرة كي تدخل إلى أرض تعرفها أكثر مما تعرفها كثير من الأماكن التي تستطيع دخولها بلا استئذان
أعرف أن هناك قوانين وإجراءات، وأحترمها
لكن اسمحوا لي أن أتمنى، كإنسانة، أن تكون هناك مساحة صغيرة للحنين
أن تمنحوني تأشيرتي
لا أطلب امتيازاً
أطلب فرصةً واحدة لأعود
أريد أن أرى ما الذي فعلته السنوات بالأماكن التي أحببتها. أريد أن أمشي في شوارع حلب وأبحث بعيني عن طفلةٍ تشبهني. أريد أن أقف أمام مدرسة زهرة المدائن وأسألها: هل ما زلت تتذكرين دلال؟
أريد أن أرى أشجار الياسمين وأسألها: هل ما زالت رائحتي عالقةً بين أغصانكِ؟
أريد أن أمشي في الأزقة التي كنت أظنها يوماً عالماً كاملاً، وأن أكتشف أن العالم كان أصغر بكثير، وأن طفولتي كانت أكبر مما كنت أعرف
وربما، في لحظةٍ ما، سأقف في شارعٍ قديم وأشعر أن السنوات كلها كانت مجرد غيابٍ طويل
وربما لن أعرف الأماكن كما عرفتها
ربما تغيرت البيوت، وتبدلت الوجوه، وكبرت الأشجار، واختفت تفاصيل كنت أحفظها عن ظهر قلب
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
أنا لم أتغير في ذاكرة تلك الأرض
هناك، ما زالت دلال طفلة
ما زالت تهرب من المدرسة
ما زالت تضحك بلا سبب
ما زالت تركض في أزقة حلب، وتعود إلى بيتها وفي عينيها شيء من شقاوة الأطفال
ولهذا أقول لسوريا، بكل ما في القلب من رجاء:
دعيني أعود
امنحيني تأشيرتي
افتحي لي باباً صغيراً نحو طفولتي
لا أريد أن أعود لأكون زائرة
أريد أن أعود لأتأكد فقط أن الأماكن التي أحببتها لم تنسَني
وإن نسيتني المدن، فلا بأس…
يكفيني أن تكون هناك شجرة ياسمين واحدة تتذكرني
يكفيني أن أقف أمام مدرستي لحظةً وأسمعها تقول:
كانت هنا دلال ويكفيني أن تمشي طفلةٌ صغيرة في أحد أزقة حلب، فأشعر أنني رأيت نفسي من جديد
سوريا…
أنا لا أطلب منكِ أن تعرفيني
أنا فقط أرجوكِ…
لا تمنعيني من العودة إلى المكان الذي ما زال يعرفني
انا دلال.. وأشجار الياسمين تشهد أن طفولتي كانت ولا تزال عالقة بين أغصانها