حركات خارج إطار الدولة… حين يصبح السلاح أقوى من القرار الوطني
من تجارب التاريخ إلى تحديات العراق ولبنان
خالد محسن الروضان
عبر التاريخ، وفي مختلف المجتمعات والأزمنة، نشأت حركات وتنظيمات سياسية وعسكرية خارج إطار الدولة، حملت مشاريع فكرية وأيديولوجية، وسعت إلى تحقيق أهدافها بوسائل متعددة، كان السلاح في مقدمتها. وقد جمعت بعض هذه الحركات بين النشاط السياسي والعمل العسكري، فيما شهد بعضها الآخر انقسامًا بين القيادة السياسية والقرار العسكري، الأمر الذي قاد إلى صراعات داخلية وأزمات وطنية، بل وإلى حروب تجاوزت حدود الدول التي نشأت فيها.
إن دراسة هذه الظاهرة ليست مجرد استعادة لأحداث التاريخ، وإنما محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين السياسة والسلاح، وبين الدولة والتنظيمات المسلحة، وصولًا إلى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على العراق ولبنان: هل يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد مراكز القرار العسكري والسياسي؟
من الألوية الحمراء إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي
شهدت إيطاليا خلال سبعينيات القرن الماضي ظهور تنظيم «الألوية الحمراء»، الذي تبنّى فكرًا يساريًا ثوريًا، وسعى إلى مواجهة النظام السياسي الإيطالي والنفوذ الغربي من خلال العمل المسلح. وقد نفّذ التنظيم عمليات اختطاف واغتيال، كان أبرزها اختطاف رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ألدو مورو عام 1978، ثم قتله، رغم الجهود السياسية التي بُذلت لإنقاذ حياته.
لقد كشفت هذه الحادثة عن خطورة انتقال التنظيمات المسلحة من المعارضة السياسية إلى ممارسة العنف بوصفه وسيلة لفرض الإرادة، وعن النتائج المدمرة التي تترتب على اتخاذ قرارات مصيرية خارج المؤسسات الشرعية للدولة.
وفي أيرلندا الشمالية، مثّلت تجربة الجيش الجمهوري الأيرلندي نموذجًا مختلفًا، إذ ارتبط العمل المسلح بمشروع سياسي طويل الأمد، قبل أن تسهم المفاوضات والتسويات السياسية في الوصول إلى اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي شكّل محطة أساسية في عملية السلام.
أما في اليابان، فقد برز تنظيم الجيش الأحمر الياباني بوصفه حركة مسلحة ذات توجهات ثورية عابرة للحدود، ارتبط اسمها بعمليات عنف دولية، وانتهت تجربتها إلى إظهار محدودية العمل المسلح حين ينفصل عن الشرعية المجتمعية والمؤسسات السياسية.
هذه التجارب، على اختلاف ظروفها وأهدافها، تكشف حقيقة أساسية مفادها أن السلاح عندما يتحول إلى سلطة مستقلة عن الدولة يصبح مصدرًا محتملًا لعدم الاستقرار، حتى عندما يرفع أصحابه شعارات التحرير أو العدالة أو مقاومة الهيمنة الأجنبية.
الإسلام السياسي وإشكالية ازدواجية القرار
لم تكن الحركات ذات المرجعيات الإسلامية بعيدة عن هذه الإشكالية. فقد شهد تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر توترات بين العمل السياسي والتنظيم الخاص الذي مارس نشاطًا سريًا ومسلحًا في مراحل من تاريخ الجماعة، الأمر الذي أثار إشكاليات تتعلق بوحدة القيادة وحدود المسؤولية السياسية عن القرارات العسكرية.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة أشد تعقيدًا في تجربة حركة حماس، التي تجمع بين قيادة سياسية وجناح عسكري. وقد أعادت هجمات السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة في قطاع غزة طرح الأسئلة المتعلقة بطبيعة العلاقة بين القرار السياسي والعسكري، ومدى تقدير النتائج الإنسانية والاستراتيجية للعمليات المسلحة.
ولا يمكن الجزم بتفاصيل آلية اتخاذ ذلك القرار أو طبيعة التنسيق بين القيادات من دون أدلة موثوقة، لكن المؤكد أن تداعيات الحرب كانت كارثية على المدنيين والبنية التحتية في غزة.
إن الدرس الذي تقدمه هذه التجارب يتمثل في أن القرارات العسكرية الكبرى لا يمكن فصلها عن مسؤولية القيادة السياسية، ولا عن مصير المجتمعات التي تتحمل نتائجها. فالحرب ليست مجرد عملية عسكرية، وإنما قرار يتعلق بحياة الشعوب ومستقبل الدول.
العراق ولبنان… من المقاومة إلى بناء الدولة
عند الانتقال إلى التجربتين العراقية واللبنانية، نجد أنفسنا أمام واقع تاريخي وسياسي بالغ التعقيد، لا يمكن التعامل معه بالأحكام المطلقة أو تجاهل الظروف التي أدت إلى ظهور التنظيمات المسلحة.
ففي لبنان، لعب حزب الله دورًا عسكريًا بارزًا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد، وكان الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 محطة تاريخية مهمة، وإن بقيت قضايا حدودية وأمنية موضع نزاع.
وفي العراق، أدّت فصائل مسلحة، إلى جانب القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي، دورًا مهمًا في الحرب ضد تنظيم داعش، ولا سيما في معارك تحرير الموصل وصلاح الدين والأنبار، ضمن جهد عسكري عراقي واسع حظي كذلك بإسناد التحالف الدولي.
ولا يمكن إنكار التضحيات التي قدمها المقاتلون في مواجهة الإرهاب، أو تجاهل الدور الذي أدّته تلك المواجهة في حماية المدن العراقية واستعادة الأراضي التي احتلها التنظيم.
لكن الاعتراف بهذه التضحيات لا يعني منح أي تنظيم حقًا دائمًا في امتلاك قرار عسكري مستقل عن الدولة.
فالمقاومة في ظروف الاحتلال أو مواجهة الإرهاب شيء، وبناء الدولة بعد انتهاء تلك الظروف شيء آخر. وما كان يُنظر إليه باعتباره ضرورة عسكرية في مرحلة استثنائية، لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة موازية للمؤسسات الدستورية في مرحلة السلم.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: كيف تنتقل الحركات المسلحة من شرعية المواجهة إلى شرعية المؤسسات والقانون؟
حصر السلاح بيد الدولة… ضرورة وطنية
إن حصر السلاح بيد الدولة ليس شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا مشروعًا يستهدف مكونًا اجتماعيًا أو فصيلًا بعينه، وإنما هو مبدأ أساسي من مبادئ الدولة الحديثة، التي يجب أن تحتكر الاستخدام المشروع للقوة وفق الدستور والقانون.
وفي العراق، يكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في ضوء تعدد الفصائل المسلحة، واختلاف ارتباطاتها السياسية، وما يثار بشأن علاقات بعض التنظيمات بقوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران.
وهنا ينبغي التمييز بين الحشد الشعبي بوصفه تشكيلًا أُقرّ بقانون عام 2016 ويرتبط رسميًا بالقائد العام للقوات المسلحة، وبين أي نشاط مسلح يجري خارج التسلسل القيادي الرسمي أو بعيدًا عن سلطة المؤسسات الدستورية.
إن المشكلة لا تكمن في أسماء التشكيلات أو خلفياتها، وإنما في مدى خضوعها الفعلي للقرار الوطني الموحد.
فلا يمكن أن تكون للدولة سياسة خارجية تدعو إلى التهدئة، بينما تتخذ جهة مسلحة قرارًا بالتصعيد. ولا يمكن للحكومة أن تعلن التزامها بالسلام والاستقرار، فيما تمتلك أطراف أخرى القدرة على إدخال البلاد في مواجهة عسكرية لم يقررها الشعب أو مؤسساته الشرعية.
وفي لبنان أيضًا، تبقى مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة من أبرز التحديات التي تواجه استعادة السيادة الكاملة، وبناء مؤسسات قادرة على اتخاذ قرار الحرب والسلم بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية.
العراق ليس ساحة لتصفية الحسابات
إن أخطر ما يواجه العراق اليوم هو احتمال تحوله مجددًا إلى ساحة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، في ظل التوترات الإقليمية التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
فالعراق الذي دفع أثمانًا باهظة من الحروب والحصار والإرهاب والانقسامات الداخلية، لا يحتمل الدخول في مغامرات عسكرية جديدة، ولا يجوز أن يصبح أمن مواطنيه ومستقبل أجياله رهينة لقرارات تتخذ خارج مؤسساته الوطنية.
إن أي مواجهة إقليمية واسعة يمكن أن تضع العراق أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة، خصوصًا إذا قررت جماعات مسلحة الانخراط فيها بمعزل عن قرار الدولة.
وهنا تصبح الحكمة السياسية ضرورة وطنية، ويغدو الحوار المسؤول مع جميع الأطراف الطريق الأقل كلفة لمعالجة أزمة السلاح، شريطة أن يكون حوارًا جادًا ينتهي إلى نتائج مؤسسية واضحة، لا مجرد تفاهمات مؤقتة تؤجل الأزمة إلى موعد آخر.
إن إدماج العناصر المؤهلة في مؤسسات الدولة، أو انتقال التنظيمات إلى العمل السياسي المدني، ينبغي أن يجري وفق القانون ومعايير الكفاءة والمساءلة، بعيدًا عن المحاصصة والمكافآت السياسية.
فلا يمكن معالجة ازدواجية السلاح بإنتاج ازدواجية جديدة في السلطة.
لا ديمقراطية مع تعدد مراكز القوة
إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع وانتخابات دورية، بل منظومة متكاملة تقوم على التداول السلمي للسلطة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وخضوع جميع المواطنين والقوى السياسية للمؤسسات الدستورية.
ومن غير الممكن الحديث عن انتخابات حرة وتنافس سياسي متكافئ إذا كانت بعض القوى تمتلك السلاح والنفوذ العسكري، فيما تعتمد قوى أخرى على وسائل العمل السياسي السلمي وحدها.
فالسلاح يمنح صاحبه قدرة على التأثير في التوازنات السياسية، وقد يتحول إلى أداة ضغط على المؤسسات والناخبين، الأمر الذي يخل بمبدأ المساواة السياسية ويضعف الثقة بالديمقراطية.
إن الدولة التي تسمح بتعدد مراكز القرار العسكري تفتح الباب أمام تعدد الولاءات، وعندما تتعدد الولاءات يتراجع مفهوم المواطنة الجامعة، وتصبح المصلحة الوطنية عرضة للمساومة.
ولهذا فإن بناء الدولة العراقية الحديثة يتطلب الانتقال من منطق القوة إلى قوة القانون، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المؤسسات، ومن الولاءات العابرة للحدود إلى الولاء الوطني الذي يجعل العراق فوق جميع الاعتبارات.
العراق أولًا… في القول والفعل
إن التاريخ لا يمنح الحركات السياسية والعسكرية شرعية أبدية، مهما كانت أدوارها السابقة وتضحياتها. فالشرعية الحقيقية تتجدد بمدى الالتزام بالقانون واحترام حقوق المواطنين والمساهمة في بناء الدولة.
وإذا كانت بعض الفصائل قد أدّت واجبًا وطنيًا في مواجهة الإرهاب، فإن الواجب الوطني اليوم يقتضي المساهمة في ترسيخ السلام، وحماية السيادة، ودعم مؤسسات الدولة، والابتعاد عن أي قرار قد يجر العراق إلى حرب جديدة.
لقد آن الأوان لكي تنتقل القوى السياسية من ثقافة الغلبة إلى ثقافة الشراكة الوطنية، ومن منطق المحاور الإقليمية إلى منطق المصالح العراقية العليا.
فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من البنادق، بل إلى المزيد من المدارس والمستشفيات والمصانع وفرص العمل. ولا يحتاج إلى تعدد القيادات العسكرية، بل إلى دولة واحدة وجيش وطني ومؤسسات دستورية تحظى بثقة المواطنين.
إن شعار «العراق أولًا» لا ينبغي أن يبقى عبارة ترددها الخطب السياسية، وإنما يجب أن يتحول إلى منهج عملي في إدارة الدولة، وفي تحديد علاقاتها الخارجية، وفي اتخاذ قرارات الحرب والسلم.
ولعل أعظم ما يمكن أن تقدمه الحركات المسلحة التي شاركت في الدفاع عن العراق هو أن تسهم اليوم في إنهاء الحاجة إلى السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وأن تكون شريكة في بناء السلام كما كانت شريكة في مواجهة الإرهاب.
فالأوطان لا تُبنى بتعدد البنادق، ولا تُحمى بازدواجية القرار، وإنما تُصان بوحدة السيادة وعدالة القانون وإرادة الشعب.
ويبقى أملنا أن تنتصر الحكمة على المغامرة، وأن يتغلب الانتماء الوطني على المصالح الفئوية، وأن يصبح العراق دولة قادرة على حماية نفسها بقرارها المستقل، لا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
حفظ الله العراق وشعبه، وجعل مصلحته فوق كل اعتبار.