الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
علي طعمة.. هوامش في دفتر الغربة


علي طعمة.. هوامش في دفتر الغربة

محاولة للاقتراب من (الهناك)

صالح حسن الفارس

 

في نصوصه النثرية، يكتب الشاعر علي طعمة عن الغربة بوصفها حالة داخلية، ووطنًا آخر يتشكل في الروح كلما ابتعد الجسد عن المكان، وكلما صار «(لهناك) أقرب من «الهنا». ولعل مجموعته الشعرية، في جوهرها، تبدو محاولة للاقتراب من أسوار الغربة، واكتشاف ما تخبئه خلف جدرانها من أسئلة وحنين وذاكرة.

وقد جاء في اعتراف شخصي كتبه الشاعر على صفحة حياته: أعترف أن قدماي واقفتان، وأن النص كلام زائف يمشي على رؤوس أصابعه، ثم عاد ليمحوه، لكنه لم يفلح؛ لأنه كتبه في مكان أعمق من الورق: (أعترف أن السفر كذبة بيضاء لا غيم فيها، والحلم جناح مكسور لرغبة عمياء لا اسم لها).

هنا تبدو الغربة إقامة طويلة في منطقة غير محددة، لذلك تأتي أمنيته أشبه بمحاولة جديدة للعبور: (تمنيت أن أقتني طائرة من ضوء، وأفتتح في هامش الحروف مطارًا صغيرًا للحلم).

فحين تعجز الطائرة الحقيقية عن الوصول، يصنع الشاعر طائرة من الضوء، وحين تضيق الجغرافيا عن احتواء حلمه، يحفر في اللغة مطارًا. ومن هنا يصبح الهامش ممرًا سريًا ومنطقة نجاة.

وحتى يكون الحلم في (الهناك) أكثر أمانًا، يفتح نافذة القصيدة ليستعيد من العالم وجهًا غائبًا، ويخاطب صديقًا هرب مثل الرحمة وانطفأ وحيدًا في منفاه، دون أن يترك وراءه لحظة للوداع:

«كل ما لدي الحب والبكاء، والجلوس في منطقة راحتي المنهكة، حيث يحملني صمتي بعيدًا إلى الهناك، قريبًا منك، قريبًا جدًا، من المطر الذي يغسل وجه الشرفة ويبلل أوراق الشجر اليابسة.

فالصمت هنا لغة أخرى قادرة على حمل الفقد، ووسيلة سفر لا تحتاج إلى تذكرة أو جواز. يكفي أن يغلق الشاعر عينيه، فيصير البعيد قريبًا.

الشاعر علي طعمة يكتب كي لا يسقط في العتمة، ويكتب لأن بعض الغائبين لا يمكن استعادتهم إلا باللغة. وهكذا تتحول الغربة إلى سؤال: أين يقع (الهناك)؟

وعلى نحو غامض، يعرف الشاعر أن شيئًا عزيزًا عليه لا بد أن يسكنه. لذلك تبدو (الهوامش) كتابة رجل يقف عند تخوم المكان، يحمل حقيبة ذكريات، ويبحث في جيوب اللغة عن تذكرة توصله إلى مكان لا يدري إن كان موجودًا فعلًا أم لا.

وفي النهاية، قد يكون الوطن نفسه هو «(لهناك):

(كل ما أعرفه أن الوطن ليس أوسع من شرفة، وأنه منفى، وأن الروح تمضي وسلالها فارغة).

كيف يكون الوطن منفى؟

هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة. فالشاعر لا يستقر على جهة، وفي صياغة مباغتة يختزل فيها المسافات يقول:(لسنا من يرحل، الوطن هو من يرحل عنا).

هذا الشطر يحمل انقلابًا في علاقة الإنسان بالمكان؛ لأننا عندما نرحل لا نحمل الوطن في حقائبنا، بل نغادره، ولا يبقى منه سوى ظل خافت في الذاكرة.

لذلك لا توجد في نصوص علي طعمة مساحة واضحة، فهو يقول:

«حيث لا شيء من كل هذا التحليق، لا شيء، فقط جناحان، ثم تنام الشمعة على خد الليل، وتستيقظ مثلي في الفجر».

فالتحليق وهم جميل لا تستطيع اللغة أن تثبته؛ لأنه ليس هناك سماء بالمعنى المعتاد، بل جناحان وشمعة، وكائن يشبهها في ضعفه وانتظاره. إنها صورة شعرية شديدة الكثافة، يلتقي فيها الضوء والليل، والنوم واليقظة، والتحليق والسكون، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن أطول مسافة هي تلك التي تفصل الإنسان عن نفسه، وإنه كتب قصائده على حافة حقيبة سفر لم تُغلق بعد:

«لحظة واحدة، وأحلق في سماء الحلم، كأن يدا تفتح باب الطائرة، أو تصافح المطر، وأعرف أنه ليس أنا ذاك الذي يخاف الوخز ويصغي لرجع الكلمة».

وهنا ينقسم الشاعر: واحد يرحل، وآخر يقف أمام الخوف، وثالث يفتح باب طائرة لا تحلق إلا بالخيال. ثم يصرخ: (أنا تابوت متروك في مقبرة موحشة، ونص مكتوب على ظهر دمعة، كل ما أعرفه أن رأسي هناك وجسدي هنا).

ولعل التابوت هو نهاية الحياة المتوقفة، بينما النص المكتوب لا يستطيع وحده حمل هذا الفقد. لقد وجد الشاعر نفسه موزعًا بين جهتين؛ لذلك ترك صفحاته مفتوحة على الريح، ليقنع نفسه بأنه ما زال حيًا:(أحيانًا أشعر بأن الحياة مفتوحة مثل حفرة، وأنا ظل خفي يتنفس في غرفة). وهذا بحد ذاته اختزال لوجوده، ومع ذلك يستدعي الحلم ليعيد وصل ما انقطع بينه وبين العالم: (كأن العالم قفص كبير، وأنا بلا ).وفي قصيدة «المشهد الأخير»، يعلن عن وجعه:

«سأتَعذب في منامي، حين أحذف الغرفة والليل وأنت».

وهذه ليست رغبة في حذف الأشياء بقدر ما هي خوف من فقدانها. فمهما حاول الحذف، تظل هذه الأشياء محفورة في الذاكرة. والخلاص ليس بالهرب، ولا بالعودة، ولا بالنسيان، وربما يكون في القدرة على تحمّل الحزن دون أن يتحول إلى هاوية.

وقد يكمن الخلاص حين تكون القصيدة جناحًا يطير هنا وهناك، وتنتهي الرحلة لتصبح (الهوامش) هي الحياة التي لا يستطيع الشاعر أن يعيشها، أو لعلها هي «المتن» الذي أخفاه (علي طعمة) داخل اللغة


مشاهدات 34
الكاتب صالح حسن الفارس
أضيف 2026/10/05 - 1:49 PM
آخر تحديث 2026/10/06 - 12:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 8601 الكلي 16593770
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير