الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أسماء في السلطة

← بواسطة azzaman

أسماء في السلطة

كامل عبدالرحيم

 

أتحرر بين آونة وأخرى من قراءة كتب الأدب والروايات أو الفلسفة، نحو كتب المذكرات أو الانطباعات الشخصية (التاريخية)، فأجدها عكس المطلوب؛ ترفعني إلى علو مناسب، هو، وهذه هي المفاجأة، يكفيني للنظر أعمق مقارنة، ولنقل أحياناً، بما تفعله الفلسفة والسياسة.

يساريتي وانتمائي الثوري، والتي تسري بدمي وانتهى الأمر، والتي أيضاً، وعلى ما يبدو، لم تجعلني أحول أو مغشياً عليه بغشاوة الانحياز، ربما العكس. ألست القائل أو المقتبس أو السارق لـ(حين يلعب القاتل والقتيل النرد على ضفاف نهر المجرة).

وفي تاريخ الدولة العراقية الحديث منذ العام 1921، هناك ثلاثة (رؤساء) فهموا السلطة بطريقتهم، وما بينهم من انقطاعات ودم لا يمنع من عقد المقارنات بينهم، ورغم العديد والكم الهائل من الدراسات عنهم، فما زالت هالات الغموض تحيط بمنطقتهم، وبدلاً عن ذلك استسلم الرأي العام لبعض الإطلاقات الساذجة عنهم. وأقصد بالطبع كلاً من نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وصدام حسين.

أقرأ هذين اليومين كتابين من النوع الذي أشرت إليه أعلاه، الأول (مذكرات لم تكتمل) لـ(عباس بغدادي)، والثاني كتاب (أشخاص كما عرفتهم) لأحمد الحبوبي، كما سأستشهد بكتابين من ذاكرتي كنت قد قرأتهما سابقاً، (عمر أكلته الحروف) لنجيب المانع و(في أثر الهامش) لباسم عبد الحميد حمودي، رحم الله الجميع.

في العراق، تقع العشيرة أو القبيلة في مقابلة الدولة، ولم تكن للقبائل أو العشائر إلا ما يضر بالدولة أو يعرقل من ازدهارها وتطورها، وقد أدرك الثلاثة هذا الأمر. وقد يبدو للناظر سطحياً بالعهد الملكي أن هذا الأخير قرّب وتقرب، لكني وجدت في كتاب (مذكرات لم تكتمل) ما يثبت العكس؛ فكانت هذه القبائل وزعماؤها تتمرد على بسط الدولة لنفوذها، وقد تأثرت لقصص ضرب الدولة لهؤلاء المتمردين بقوة، بالمدافع وأحياناً بالطائرات، وإلقاء القبض عليهم واقتيادهم بإذلال يستحقونه نحو المحاكم والسجون.

وقد تكون فترة حكم بكر صدقي القصيرة هي الأقسى على هؤلاء، وللحق فإن بكر صدقي وحكمت سليمان كانا على وعي وتصميم بضرورة تحديث الدولة العراقية بكل الطرق، وربما قصر عمر تجربتهما الريادية تأثرهما بصعود النازية ونموذج هتلر الذي لم يقاوماه.

عبد الكريم قاسم تعامل باستعلاء يقترب من الاحتقار لهؤلاء، ولم يساوم أبداً على قوانين الدولة التي تهينها تلك القبائل، ويكفيه قانون الإصلاح الزراعي الذي سحب السلطة من تحت أقدامهم، فتآمروا عليه، وهذا هو ديدنهم.

صدام حسين، تعامل مع القبائل ببراغماتية، فقرّب قبيلته المتعطشة للسلطة، وقرّب وأبعد بقية زعامات القبائل حتى أحدث تغييرات في بنيتها، وما زالت تلك التغييرات سائدة وجارية، ولم تنفك تلك العشائر من عملها التخريبي للدولة وإعاقة ترسيخ الدولة المدنية، وهي تتخادم ضمن مثلث (الفساد ورجال الدين وزعماء القبائل).

ورغم المئات أو الآلاف من الكتب والدراسات حول الزعماء الثلاثة، فإن الثاني والثالث لم ينالا تلك الدراسات الجادة عنهما وعن مفهومهما للسلطة، بل ما يتوفر لدينا مجرد مجموعة أحكام عامة تقترب من السذاجة. بعبارة أخرى، هناك وفرة في الإخبار وندرة في التحليل.

يشترك الاثنان (عبد الكريم قاسم وصدام حسين) بإلمام شبه مطلق بالتفاصيل، مع اختلاف المنطلق. فالخصم الجيد بالنسبة لصدام حسين هو الخصم الميت، أما بالنسبة لعبد الكريم قاسم، صاحب (عفا الله عما سلف)، فلقد آثر تغليب نسبة الشك على وضوح المعلومة وقوة الحدس، وهذا يندرج مع نظرته الوطنية والسياسية الفلسفية، مع تدين غريزي.

لم يكن الزعيم غافلاً أبداً عما يدور حوله، وحاول إضعاف أعدائه بلعبة توازن مع (شركائه) الطامعين بالسلطة أو المتعالين عليه بحجة (سذاجته)، وهو الأعلم منهم بطبيعة ما تمر به البلاد.

سأورد روايتين أو حادثتين من ضمن المئات، والتي تثبت قوة إمساك الزعيم بالسلطة ومنابعها وفروعها وفلسفتها، وقبل كل شيء تؤكد أعلميته تلك، وكذلك قوة بأسه بفرض رؤيته.

في كتابه (عمر أكلته الحروف)، يذكر نجيب المانع كيف قام عبد الكريم قاسم، وبدون تردد، بنقله من وزارة الخارجية، حيث وجد نفسه بظرف ما مديراً عاماً للوزارة، نقلة إلى مديرية التأمين أو لا أعرف ماذا كان اسمها. أضعت كتاب المانع، ربما بين رفوف مكتبتي أو بإعارته إلى من لم يعده لصاحبه، لكن نجيب المانع، البعيد عن اليسار والأقرب إلى القوميين ربما، وجد نفسه تحت (مكبّرة) عبد الكريم قاسم، والتي لا تخطئ بفهم تأويلات المواقف، وهو المستهدف من الجميع ومن خصوم بلا ضمير. ربما تضرر نجيب المانع معنوياً، لكن الزعيم فرض رؤيته الخاصة عن السلطة، وهو العالم بأن الشيطان يكمن في التفاصيل.

وفي كتاب باسم عبد الحميد حمودي (في أثر الهامش)، يحاول حمودي النيل من عبد الكريم قاسم بذكر حادثة حصلت بين الزعيم ورئيس محكمة التمييز، القاضي محمد خالص كما أتذكر، ولم يكن هذا الأخير يود الزعيم وحاول عرقلة حكمه.

وفي خلاف علني بين الرجلين، حاول القاضي بتوقيت استقالته النيل من الزعيم، الذي كان حذراً في التعامل مع القضاء، فقام بدعوة القاضي إلى مقره في وزارة الدفاع ليشاركه غداءه البسيط، وليناقشه حول موضوع يعكس ذهنية الزعيم.

انتبه عبد الكريم قاسم إلى تهاون القضاء مع ما يسمى بـ(جرائم الشرف)، وهو ما درجت عليه الأعراف منذ العهد ا


مشاهدات 33
الكاتب كامل عبدالرحيم
أضيف 2026/10/03 - 2:23 PM
آخر تحديث 2026/10/04 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 153 الشهر 5268 الكلي 16590437
الوقت الآن
الأحد 2026/10/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير