الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يسبحون في النفايات ويفكّرون بمطار

← بواسطة azzaman

كلام أبيض

يسبحون في النفايات ويفكّرون بمطار

جليل وادي

 

لي مع المطارات حكايات وحكايات، منها ما هو مفرح، ومنها ما هو محزن. رويت بعضًا منها في مقالات سابقة، وأخرى ما زالت مركونة في أدراج الذاكرة، بانتظار الوقت المناسب لأتكلم عنها، ذلك أن الذي تختزنه الذاكرة يزعّل الجماعة، والجماعة تعرفونهم، صدورهم من الضيق بحيث لا تتقبل الانتقاد، وإن ادّعوا رحابة الصدر وحرية الرأي التي كفلها الدستور، يتصورون الرأي الصريح عن أدائهم تقليلًا من شأنهم الشخصي، وما عليك أنت، صاحب الرأي، إلا أن تستعد لاستقبال كرة النار القادمة، مع أنك لا تبغي سوى تحسين جودة العمل. لا أخشى ركوب الطائرة كما يخشاها الملحن الكبير محمد عبد الوهاب، بالرغم من أنه حلّق بالأغنية العربية إلى آفاق غير محدودة، ومثله الملايين الذين يحاججونك بالمثل العراقي الذي يحذّر من السقوط: (امشي شهر ولا تعبر نهر). فلم يرتجف لي قلب أبدًا وأنا أصعد سلم الطائرة أول مرة، كما لم أغمض عيني عند إقلاع الطائرة أو هبوطها، مع أنهما الأخطر في الطيران، لكن ما أخشاه ويرعبني نظرات ضابط التأشيرة وهو يتصفح جوازي ويرمقني بنظرة مريبة، وكأنه يغوص في أعماقي. المشكلة أن هذه النظرة تربكني، فيشك بي الضابط، ما يدعوه إلى أن يسألني عن وجهتي، وطبيعة عملي، والمهمة التي سأقوم بها في البلد المتجه إليه. أعرف أنها أسئلة تفوح منها رائحة مخابراتية، ولا تقتضيها التأشيرة. آه من الخوف الذي زرعته في نفوسنا الأنظمة السياسية على مدى العقود الستة الماضية. قل لنا يا رجل، (الزبدة) من كلامك، وأنت تستعرض جانبًا من تجاربك في المطارات. ما زلنا نتذكر مقالك (ليلة في إسطنبول)، عندما أخبركم مسؤول محطة الخطوط العراقية في الساعة الثالثة فجرًا بأن الطائرة عاطلة، وبقيتم حائرين: ماذا تفعلون، وأين تذهبون؟ لكم الحق في ذلك، وسأخبركم بما تريدون، ولا أكتمكم سرًا إن قلت: أعاني من حرقة في القلب، وهيجان في القولون منذ ليلة أول أمس، عند مشاهدتي لتقرير إخباري عن الديوانية. فمن بين مشاريع المحافظة إنشاء مطار تجاري، مع أن المحافظة تفتقد لأبسط الخدمات، وتعاني خللًا فاضحًا في المجاري والمياه الصالحة للشرب، وغالبية طرقها غير معبّدة، ومستشفياتها خالية من الأدوية، والمرض والفقر والبطالة تبطش بمواطنيها، والمخدرات تنخر بشبابها، ويفكر مسؤولوها بمطار. فهل هناك حاجة فعلية لهذا المطار، بحيث إنه أولى من تحسين الزراعة وإنشاء معامل للصناعات الغذائية والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها، بما ينسجم مع الطبيعة الزراعية للمحافظة؟ لا اعتراض عندي على إنشاء مطار في هذه المحافظة المنكوبة، مع أن مطار النجف لا يبعد عن الديوانية سوى نحو (70) كيلومترًا، أي بحدود ساعة من الزمن بالسيارة، لكن قبل ذلك لا بد من معرفة كلفته ومصادر تمويله، وجدواه الاقتصادية والاجتماعية، ومعدل عدد المسافرين المحتملين، ومدى تأثيره في التنمية مقارنة بالمشاريع الأخرى التي تعالج الاحتياجات الأساسية لأبناء المحافظة، وهل يشكل أولوية قصوى للارتقاء بالواقع الاقتصادي، بحيث إن تجاوزه يشكل عقبة كأداء تعرقل عمليات التنمية في المحافظة؟ وهل النشاط الاقتصادي المتوقع والفوائد المباشرة وغير المباشرة تبرر كلفته؟ وعلينا أن نسأل عن أولويات واقع المحافظة قبل أن نخصص الأموال لمشروع جديد، بحيث يقتنع المواطن بأن هذا المشروع سيرتقي به اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس ترفًا لا مبرر له. أظن أن عدم الإجابة عن هذه الأسئلة يعني بعثرة للثروة بما لا طائل منه، لذلك لا بد من دراسة جدوى اقتصادية مستقلة وشفافة تقارن بين إنشاء المطار والمشاريع البديلة، وفي ضوء نتائج هذه المقارنة يُتخذ القرار المناسب. وبما أن تجربة العقدين الماضيين أظهرت الحاجة إلى مزيد من الشفافية والاستقلالية، والحجم الكبير لظاهرة الفساد المالي يثبت ذلك، عليه أقترح تشكيل لجنة وطنية من خبراء مختصين على مستوى البلاد، لوضع معايير موحدة لتحديد أولوية الإنفاق العام، ومراجعة دراسات الجدوى للمشاريع الكبيرة التي يُفترض أن الحاجة تستدعي إنشاءها في المحافظات والعاصمة، ومدى فائدتها في تحسين مستوى معيشة المواطنين. وأعرف أن هناك من سيوجه أصابع الانتقاد لجنابي الكريم، بالقول: ألا ترانا نكافح من أجل التخلص من المركزية، وأنت تعيدنا إلى المربع الأول؟ وليس بوسعي سوى أن أصرخ: يا إخوان، قبل المطار لنخلّص مواطنينا من أكداس النفايات التي يسبحون فيها.

jwhj1963@yahoo.com

 


مشاهدات 43
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/10/03 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/10/04 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 5225 الكلي 16590394
الوقت الآن
الأحد 2026/10/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير