همسات ساخنة .. ومضات هادئة
أوربا تحت مخالب الدب الروسي
لويس إقليمس
مع تصاعد الهجمات القتالية النوعية بين طرفي النزاع الروسي- الأوكراني، شكلًا وأسلوبًا وبما يُنذر بانزلاقٍ خطير نهو هاوية حرب عالمية شاملة قادمة بحسب البعض، تتبادر إلى الأذهان أسئلة عديدة عن مدى عواقب مثل هذا التصعيد الخطير. ومن الأسئلة المطروحة بشدّة في هذه الأيام: هل حقًا أوربا واقعة تحت وطأة التهديد الروسي؟ وما حقيقة العلاقات المتوترة بين الطرفين المتقاطعين منذ بدء الحرب الاستنزافية للبشر والمال والاقتصاد؟ وهل العالم على شفا حرب شاملة تحرق الأخضر واليابس؟ وما مدى تأثير هذه الحرب الطاحنة على طرفي النزاع القائم والمتمثل أكثر من ذي قبل بين أوربا كشريك استراتيجي لليتيمة السلافية أوكرانيا التي سعت يومًا للانضمام للأسرة الأوربية في تحدٍّ واضح للغريم الروسي؟
ضمانات خاصة
من الواضح أنّ روسيا تحت زعامة رجلها المخابراتي القوي سليل الطغاة السوفيات القدامى فلاديمير بوتين، رأت في تقارب أوكرانيا مع حلف الناتو الذي تشكل دول أوربا جزءًا أساسيًا في تشكيلته، خرقًا لأمنها القومي، وهي ترى أنه لم يكن لهذه الدولة الجارة «المبلقنة» على شاكلتها أن تتجرّأَ وتتجاوز عتبة الاصطفاف مع الغرب الأوربي المتغطرس في ندّيته.
فقد عدّت روسيا مثل هذه الخطوة غير محسوبة النتائج تحدّيًا واضحًا غير مقبولٍ مع تلقي أوكرانيا تأكيداتٍ غربية جيوسياسية ومالية ومعنوية غير محدودة بجانب ضمانات خاصة زادت من دعمها بالمال والسلاح والخبرة، ما ساهم في إطالة مدّة الحرب القائمة التي جرت بغير ما كان مخطّطًا لها أن تدوم. وهذا واضحٌ من رفع سقف موازنات دول الناتو التسليحية إلى 5بالمئة سنويًا كما أمرتهم أميركا قائدة العالم عسكريًا وسياسيًا بحجة حماية حدودها واستراتيجياتها الأمنية الداخلية ما شكّلَ تهديدًا غير مقبولٍ لزعامتها الدولية ولتاريخها وعنجهيتها التقليدية السابقة عندما كانت تشكلُ يومًا جزءًا من منظومة الاتحاد السوفياتي السابق. فما يجول في رأس الرئيس بوتين كرجل مخابرات محنك يتجاوز طموحات أي سياسيّ أوربي أو عالميّ في السعي لفرض إرادات من شأنها بقاء بلاده على راس قائمة الدول العظمى تسليحًا واقتصادًا واكتفاءً ذاتيًا في كلّ شيء إضافةً لتعكّزه على خزينٍ تقليدي من ترسانة نووية متفوقة عالميًا، يلوّحُ بها بمناسبة وبدون مناسبة، وكأنه مستعدٌّ لكبس زرّ إطلاقها في أية لحظة عند الضرورة ومشيئة الأقدار. ويدخل هذا التهديد في إطار تعديل العقيدة النووية للاتحاد الروسي التي تشكلُ اليوم قوام قدراتها وآخر أحد أسلحتها المعتمدة في ردع أي تحرّش غير مدروس النتائج أو خرقٍ في قواعد الاشتباك في سعيٍ الغرب للتعرّض لأمنها واستقرارها وإضعاف اقتصادها ومصادر طاقتها.
يسعى الاتحاد الأوربي ضمن استراتيجيته الجديدة بالدعم المفتوح لكييف في حربها ضدّ عدوّتها روسيا عبر زيادة تمويلها العسكري والتسليحي والاقتصادي لماكنة الحرب القتالية مستهدفةً الضغط ما أمكن لإضعاف قدرات ومعنويات الطرف الروسي بشتى الوسائل. يحصل هذا، بالرغم من التدهور المعلَن في اقتصاديات معظم بلدان الغرب الأوربي البادية في مديونيات العديد من حكوماته التي اتجهت عمومًا نحو سياسة التقتير والتنظيم والتقليص في الصرفيات والاستهلاك غير المبرّر في كلّ شيء بحيث طال أنظمةَ الضمان الاجتماعي والصحي إلى أدنى درجاته، ما يشير إلى قرع ناقوس الخطر بين مسببات الإنتاج ونتائج الاستهلاك والإنفاق.
وساطة امريكية
وقد ظهر ذلك واضحًا في إجراءات بعض الحكومات الأوربية التي استشعرت خطورة الحالة التي بلغتها الحرب بعد انتقالها من حرب ثنائية بين روسيا وأوكرانيا إلى أخرى أكثر اتساعًا عندما دخلت مرحلة الاستنزاف الموجع في الموازنات والقدرات. ومن الواضح فشل الوساطة الأمريكية التي مالت عقاربُها لصالح رغبات الزعامة الروسية التي أصابها شيءٌ من جنون العظمة الممزوج بالشراسة الموروثة عن المنهجية السوفياتية السابقة في فرض الواقع على الأرض من موقع القوّة الذي يريدُه الرئيس بوتين في تكرار شروطه بضرورة تنازل الطرف الآخر وبدون تفاهم ولا تحاور ولا نقاش من أجل دقّ أبواب السلام. وقد حشّدَ من أجل تحقيق هذه الغاية ما أمكنه من قدرات جيشه ومرتزقته القادمة.
من تحالفات دولية مشبوهة من الصين وكوريا الشمالية وبلدان أخرى باتجاه حصد مساحاتٍ أكبر في بعض الأقاليم تُضاف إلى شبه جزيرة القرم مثل زباروجيا جنوبًا ومقاطعات مهمة في إقليمي خاركيف ودونباس الاستراتيجي الذي يعدُّ معقلاً تاريخيًا واقتصاديًا في جنوب شرق أوكرانيا ويشمل مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك المعروفتين بثقلهما الاقتصادي والتعديني إضافةً لأهميتيهما جغرافيًا وزراعيًا وصناعيًا. وتنظر روسيا إلى هذه المناطق بكونها ضرورية لأمنها القومي واستقرار نظامها. لذا ماتزال الحرب دائرة حول هذه المنطقة أكثر من غيرها للأسباب السابقة ولغيرها، ومنها تنامي النزعة السلافية بين المتعاطفين مع الثقافة الروسية من المتحدثين بلغتها خاصةً والذين يمثلون غالبية السكان. ومع أنّ الحرب بين الطرفين قد اتخذت مسار الكرٍّ والفرٍّ في بعض مناطق القتال ومن دون حسمٍ، لكنّ النتيجة على أرض الواقع تمنح روسيا تفوّقًا برّيًا واضحًا وسيطرةً بشرية قائمة، كما يبدو.
إنّ هذا الوضع المقلق وغير المستقرّ في الحرب الضروس الدائرة بعد التصعيد الخطير الأخير، قد استنفر غالبية الزعامات الأوربية وألزمها بتبنّي استراتيجية شاملة ومغايرة لعلّها تكون قادرة على ردع الدب الروسي من أجل حمله على تقديم التنازلات المطلوبة عبر الضغط عليه من موقع القوّة لإجباره على وقف القتال والقبول بالسلام، ولكن ليس بشروطه المتكررة في أية مساعي متجددة. فقد أدرك الجميع استنزاف القدرات التسليحية والاقتصادية والبشرية وموازنات بلدانهم السنوية منذ بدء الحرب في 2022 عندما بدأت روسيا غزوها الواسع لشبه جزيرة القرم. وهي اليوم باتت تعيش شبه قناعة في ظلّ أجواء قتالية تحاصرها وتزيد من ضغوطها بعد اشتداد سعير الحرب وانتقال المعارك إلى عمق المدن المأهولة باستخدام أسراب المسيّرات المتبادلة دقيقة التدمير وآنواع الصواريخ الباليستية الذكية شديدة الانفجار والتخريب التي حوّلت الأرض والمواقع الصناعية والسكنية إلى ركام. لذا جاء اتخاذها العديد من الاجراءات الاحترازية داخليًا منفردًا ومجتمعًا من أجل حشد شعوبها ضدّ الخطر المرتقب الأكبر الذي يهدّد أمنها واستقرارها ومستقبل دولها وحلفها العسكري على السواء. فالرئيس الروسي كما يبدو من سلوكه العدواني وفي ضوء كارزميته السياسية والقتالية وحنكته في إدارة سياسة بلاده بأيادي حديدية قاهرة منذ توليه السلطة، لن يبخل مستقبلاً في استخدام أية آلةٍ عسكرية متيسرة لكبح جماح بلدان الغرب الأوربي وأي عدوّ محتمل يطالُ طموحات عقيدته عبر اتخاذ ما يلزم لتحييد دورها بل وتركيعها وإهانتها لو استطاع إلى ذلك سبيلاً. فقد ذاقت بلادُه في هذه الأيام الصعبة كأس المرارة بسبب استهداف عمقه الاستراتيجي وبالذات العاصمة موسكو، حيث شوهدت مناظرُ الحرائق ترتفع بشكل يوميّ تاركةً آثارًا سلبية شديدة الوطأة على الشعب الروسي ومصالح البلاد الاقتصادية المرتبطة بمصادر الطاقة التي تشكل أداته التمويلية الرئيسية لكفالة استمرارماكنة الحرب مشتعلة. بالمقابل لم يألُ الروس جهدًا في استهداف العاصمة كييف والمدن الأوكرانية الرئيسية بقساوة أشدّ وطأةً على السكان الذين يضطرون مرارًا وتكرارًا لاتخاذ محطات الميترو والقطارات والملاجئ المتيسرة سكنًا يقيهم الضربات الموجعة من دون ضمانة أو كفالة بالنجاة من جحيم الصواريخ الروسية العملاقة القاتلة.
بلقنة أوربا بخطة أمريكية
بخصوص ما يُثار من توترات أخيرة وتهديدات روسية تطال الغرب الأوربي في حالة استمرار الأخير تمويلَه وتقديمه أشكال الردع والدعم القتالي لأوكرانيا ضدّ روسيا، فالمسألة فيها نظر. فقد استنفرت معظم دول الاتحاد الأوربي وعلى راسها ألمانيا وفرنسا وبولندا وبريطانيا كلّ قدراتها القتالية وأعلنت الاستعداد لما هو أسوأ، وكذلك من جهوزيتها لمواجهة تحديات الدب الروسي الذي زاد من تهديداته القسرية كعادته. ومع اعتداد أوربا بقدراتها القتالية وتفوقها الجوّي على روسيا كما صرّح وزيرا خارجية بريطانيا وبولندا معًا واستعداد دولهما لسحق أدوات الحرب الروسية، إلاّ أنّ ما يثير الريبة والقلق يكمن في اشتداد وطأة الهجمات السبرانية التي شكّلت عبئًا على البنية التحتية لبلدانهم والتي أجادَ الروس مشاكستها.
بسبب تنامي قدرات بلادهم التكنلوجية وتطوّرها وتفوقها على الغرب الأوربي بعيدًا عن الدعم الأميركي الذي تراجع في عهد الرئيس دونالد ترامب بعد لجوئه لفرض رسومٍ تعجيزية على عددٍ من حلفائه في حلف الناتو المتضعضع.
هنا يرى العديد من السياسيين والمراقبين والمتابعين للأحداث انقلابًا في الرؤية الأمريكية تجاه بلدان أوربا وتراجعه الواضح في التزامات بلاده تجاه حلف الناتو الذي لم يتوانى في التصريح علنًا باحتمال خروج بلاده منه ليتركه فريسةً سهلةً أمام تنامي قدرات الدب الروسي وإتاحة الفرصة لهذا الأخير للنيل من غطرسة بعض زعاماته التي يختلف معهم في الرؤية والتوجه والسياسة. فالخطة الأمريكية الاحتياطية بحسب مراقبين مقربين من فريقه تندرج ضمن مشروع جاهزٍ لبلقنة أوربا في حال اقتضاء الضرورة بسبب خروجها عن الطاعة الأمريكية وسعيها لانتهاج مسلك مستقلّ عن سياستها المحورية الدولية.
عبر دفعها باتجاه الاحتماء لاحقًا تحت محميّات أمريكية أو صينية أو حتى روسية بهدف تشتيت قدراتها وإضعافها ما أمكن. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مناسبات عديدة ومثلُه ما صدر من تصريحات واضحة للمستشار الألماني وكذلك من رئيس الوزراء البريطاني بعد اشتداد حدة الخلافات بين الطرفين. يُضاف هذا إلى الرؤية الروسية التي ترى في حلف الناتو عدوًّا لا يمكن الوثوق به بالرغم من كونه حلفًا دفاعيّا وليس هجوميًّا ويسعى بالتالي للمحافظة على سلامة أراضي وسكان دوله من أية تهديدات خارجية.
في اعتقادي، تبقى مسألة السعي لبلقنة أوربا على غرار الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا، من الأسئلة المطروحة في ظلّ استمرار التوترات الدولية بسبب الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا وتغيّر المعايير والموازين وتعدّد الاصطفات وفق المصالح. وما على أوربا مجتمعةً سوى حسم مصيرها واستشراف مستقبلها من هذه الحرب والتفكير بعواقبها ونتائجها. فما تحملُه من فوضى وضبابية وارتباك سياسي يبدو في غير صالح مستقبل بلدانها بسبب مراهنة بعض زعاماتها على حربٍ خاسرة بحسب تقارير استخباراتية موثوقة وكأن السلام عدوٌّ لا يمكن التقرّبُ منه بحسب بعض زعاماتها. من هنا، تبقى أوربا الخاسر الأكبر بعد أن رهنت كلّ ميزانياتها ومواردها ومصيرها في أتون المحرقة التي تزداد شدةً وسعيرًا. في حين أنّ شروط بوتين التعجيزية لإنهاء الحرب لم تتغير، ومازالت ثابتة برضوخ الطرف المتمرّد لتقديم أشكال التنازل مقابل السلام ومنها الأرض وتحديد القدرات القتالية والتسليحية وحياد أوكرانيا وإبقائها عارية مكشوفةً بلا حماية ولا ضمانات. فربما الأسوأ لم يأتي بعد!