كَي لا يبتلع الفساد الثقافة.. الإنحراف لا تحميه الشهادة
مزهر الخفاجي
مِنَ الاخبار الواردة من المؤسسات القضائية ودوائر النزاهة بمختلف اختصاصاتها حول التُهَم والإدانات التي وجهت للمتهمين باقترانها مع جرائم، التي منها:
- ( الفساد الاداري والمالي، السرقة، الاستحواذ على المال العام، الابتزازًوالأختلاس........ وغيرها الكثير). كل تلك الجرائم تُرتكب بحق المال العام ويتم العبث بأموال الشعب بلا حسيب ولارقيب .
هذا وغيره من تفاصيل اثارت انتباهي كمتلقي.... فشيوع ظاهرة الفساد بين الوزراء ووكلائهم والمدراء العاميين والموظفيين الكبار في مواقع المسؤولية، حتى وصل الى صغار الموظفين.
الغريب في هذه الظاهرة الاجتماعية المخزية، من ان القيام باحصائية بسيطة لمؤهلات هؤلاء المتهمين او المدانين منهم، الذين مسكتهم الجهات ذات العلاقة بالجُرم المشهود، ان اغلبهم- يحملون مؤهلات عِلمية عالية، فبعضهم يحمل شهاد الدكتوراه او الماجستير او مؤهلات علمية اخرى مِن مثل: طبيب... مهندس... فضلاً عن اختصاصات عِلمية اخرى.
عتبة اولى
السؤال الذي نطرحه هنا، وربما يتبادر على مسامع الكثير من المواطنين والمراقبين عرباً وغيرهم :
- ما الذي بقيَ من العَتبات الثلاث، التي وضعها عالِم التربية ( جون دوي)؟.
واقصد: ما الذي جعل العتبة الاولى ونقصد الاسرة ( التربية الاولى)، التي كانت حجر الأساس في تربية معظمنا، والتي وضعت ( تابوهات): ايانا والحرام- العيب ان تمد يدك على مال الناس او حقوقهم او اموالهم - فالمال الحرام مُذ الدرس الاول في بيوتنا يؤدي الى التهلكة، ويجلب غضب الله ويحرم الكثير من استحقاقاتهم .
وكات عوائلنا ابناءاً وبنات يتغطون بالسِتر والعافيه...واغلبنا كان يقنع بالقليل سواء كان معاشاً او حافزاً او تكريما. لذلك يبرز السؤال: ( اين ذهبت وصايا العتبة الثانية ( واقصد الجامع):
لا تسرق.. لا تزنِ...
لا تقتل... وهي جوهر الدِين ومنظومته الاخلاقية التي رسينا عليها وتربى عليها اجدادنا وآبائنا منذ مئات السنين.
وأين ذهب الأثر والقيد والبناء الذي أرسته العتبة الثالثة: المدرسة، المعهد، الجامعة، فما الذي بقي من الدرس العلمي.. فنحن جميعاً نعيب في بحوثنا مَن يتلصص على أفكار غيره في مهنته الفعلية، الذي نسميه: منتحل، معتدي، أو سارق للافكار. ونعيب على الذي يتلاعب في الكيل والميزان ونلعن الذي يتعاطى الربا ونتهم الذي يسرقُ جاره وننعتهُ بأبشع الصفات.
وكنا بوعي منا او من غير وعي نطلق العشرات من الصفات، الموجودة في تراثنا الشعبي الثقافي، على الذين يتجاوزون حدود الموقع الفكري والثقافي والدِيني. فنقول عنه: مدلّس.. منافق.. وغير مؤتمن، حتى تصل الامور الى حد ( الزنديق).
والاكثر غرابة من ذلك، ففي ظاهرة الفساد والسرقة والاستيلاء على المال العام، التي تفشت كظاهرة اجتماعية ملفتة للانظار بشكل صارخ، حضور المرأة في هذا المجال كحاضنة وفاعلة في مشهد الجريمة والفساد وتعاطي الرشوة والأبتزاز.
ان ارتكاب اصحاب المناصب الوزارية والادارية والاقتصادية للعديد من الجرائم الضارة للمجتمع يجعلنا نضع العديد من الاسئلة وخاصة في المترشح مهشد الفساد الأخير :
أولها: هل فقدت العتبات الثلاث دَورها التوبوي والأخلاقي والمبدئي المؤسس لركيزة الانسان العراقي النقي ، ونقصد ( عتبة البيت، الجامع، والجامعة) وهل ضعف بنيان مجتمعنا القيمي والأخلاقي ، الذي كان حاضراً في فكر وضمير وسلوك السواد الاعظم من العراقيين طيلة مئة عام؟
ومَن المسؤول عن استشراء ظاهرة الفساد، حتى تتحول الى ثقافة مجتمعية.. بحيث جعلت الجميع يندهش من خلع الكثيرين من هؤلاء لقيَم عوائلهم ومبادىء دينهم، وتناسيهم للمعرفة التي تلقوها في معاهدهم وجامعاتهم.
عقوبات مفروضة
حين نسأل المتخصصين في مجال العلوم الجنائية المتعلقة بالمجتمعات عن اسباب شيوع ظاهرة الفساد وتضخم اعداد الغارقين في عملياتها، يذكرون العوامل التالية:
1- ضعف الرادع القانوني، وعدم تنفيذ العقوبات المفروضة الصادرة من الجهات القضائية او الادارية على مرتكبي الجرائم والمخالفات الادارية.
2- غياب الدَور الرقابي الحقيقي لمؤسسات الدولة، أو قُلْ تخادمها مع مَن يمارسها، لوجود التخادم مع المفاسد حزبياً وطائفياً وعشائرياً.
3- مطاطية منطوق القوانين، وتساهل المُشرّع مع العديد من حالات ارتكاب الجرائم، حيث ان صدور قوانين العفو العام المتكرر او استحصال قرارات بالعفو الخاص شجعت على ذلك بشكل كبير جداً.
4- هذا التساهل او العقوبة غير الرادعة جعل العشرات، ان لم نقل المئات من المطلوبين والفاسدين والمتهمين والمسؤولين عن هدر المال العام هم الآن طُلقاء... او ربما يعدون انفسهم لمشروع سياسي او اقتصادي او اجتماعي قادم.
لذلك مطلوب منّا أيها السادة، أن نُعيد التفكير بضرورة إعادة الاعتبار للعتبات الثلاث: ( البيت، الجامع، والجامعة). وان نذهب جميعاً الى ثورة ثقافية، تشارك وتساهم فيها جميع مؤسساتنا التربوية والعِلمية والدينية والاعلامية، لكي نُعيد الاعتبار لها.
فضلاً عن حاجتنا الى مؤسسات قانونية وحقوقية تركز على انزال اقصى العقوبات ووفق القوانين المطابقة لحجم الجريمة وتنفيذها بشكل صارم في الوقت نفسه. لكي تكون رادعاً لكل فاسد ومفسد لنفسه او لغيره مما ذكرناه اعلاه.
وايضاً نحتاج الى ان نتوقف قليلاً لايقاف بعض الممارسات من استباحة لحقوق افراد المجتمع، وذلك من خلال اصدار قوانين العفو، التي تجاوزت كل الحدود المتعارف عليها في بلدان العالم كافة.
اخشى ان أقول ان العتبات الثلاث (البيت ، الجامع ، الجامعة) ان تخلت عن دورها ابتلعت حقوق الناس وابتلع الفاسد حينها كل قوانين الوعي والثقافة وصار الوعي مبرراً او مسولاً لسرقة المال العام .