الحلاج... مخطوطاته بقيت، وقبره ضاع
سرحان محمد علي الكاكئي
أكثر من ألف ومئة عام مرّت على الحلاج، وما زال اسمه يخرج من بين أوراق المخطوطات كأن الزمن لم يستطع أن يطوي صفحته.
كلما بحثنا عنه، وجدناه في كتاب.
في بغداد، في كتب المتصوفة، في الروايات القديمة، وفي المخطوطات التي انتقلت من يد إلى يد حتى وصلت إلى خزائن بعيدة عن المكان الذي عاش فيه ومات. ومن اللافت أن بعض آثاره وأخباره وصلت إلى مكتبات إسطنبول، ومنها مكتبة السليمانية، حيث تحفظ نسخة من جوهَر الذات في مجموعة حالت أفندي برقم 234/2، وهي من المصادر التي ارتبطت بالمادة التي تناولت حياة الحلاج ومواقفه وموته.
وهنا تبدأ المفارقة.
المخطوط بقي.
الاسم بقي.
الرواية بقيت.
أما القبر، فقد أصبح هو الجزء الأكثر غموضًا في الحكاية.
الحلاج لم يكن رجلًا عاديًا في عصره. اختلف الناس حوله، وأحبه قوم، وخالفه آخرون، ثم جاء موته ليضيف إلى اسمه طبقة جديدة من الأسئلة. وبعد موته لم تنته حكايته، بل بدأت رحلة أخرى؛ رحلة الرجل الذي تحول من إنسان عاش في القرن الثالث الهجري إلى رمز تتنازعه القراءات حتى يومنا هذا.
والأغرب أن القرون لم تستطع أن تنساه، لكنها لم تستطع أيضًا أن تمنح قبره يقينًا واضحًا.
توجد روايات تاريخية عن موضع قبره في بغداد، وتحدثت مصادر لاحقة عن موضع رمزي له، كما ظهرت اختلافات في تحديد المكان. وهذا النوع من الاختلاف ليس غريبًا في تاريخ المقابر القديمة؛ فحتى في تاريخ بغداد نجد مؤرخين يختلفون في تحديد قبور بعض الشخصيات، ويذكرون اعتراضات على القبور المنسوبة إليها.
وهنا يصبح قبر الحلاج أكثر من مجرد مكان للدفن.
إنه سؤال عن الذاكرة.
لماذا نستطيع أن نحتفظ بكلمات رجل عاش قبل أكثر من أحد عشر قرنًا، ثم نعجز عن الاحتفاظ بالمكان الذي انتهى إليه جسده؟
ربما لأن الإنسان يهتم بما يكتبه أكثر مما يهتم بما يدفنه.
الكتب تسافر.
المخطوطات تنجو من الحروب، وتنتقل من مدينة إلى أخرى، وتدخل خزائن المكتبات. أما القبور فتبقى في مكانها، تنتظر من يحميها من الإهمال ومن تبدل المدن ومن قسوة الزمن.
وهذا ما يجعل الحلاج حالة مختلفة.
لقد نجا في الورق أكثر مما نجا في الحجر.
نجا في المخطوطات، بينما أصبح قبره سؤالًا.
وليس المطلوب أن نتفق مع الحلاج كي نحترم أثره. فالتاريخ لا يطلب منا أن نحب كل شخصية حفظها، وإنما يطلب منا أن نفهمها وألا نمحو آثارها.
قد يكون الحلاج مخطئًا في نظر إنسان، وقد يكون صاحب تجربة روحية عميقة في نظر آخر، وقد يكون شخصية أدبية وفكرية قبل كل شيء في نظر ثالث. لكن هذه الاختلافات كلها لا تلغي حقيقة واحدة:
إن رجلًا اختلف عليه الناس قبل أكثر من ألف ومئة عام، ما زال قادرًا على إثارة السؤال فينا اليوم.
وهذا وحده يجعل أثره جديرًا بالعناية.
إن العناية بقبر الحلاج ليست دفاعًا عن عقيدته، ولا انتصارًا على خصومه، ولا محاولة لإعادة محاكمة التاريخ.
إنها ببساطة محاولة لإنقاذ صفحة من ذاكرتنا.
فإذا كانت المخطوطات قد حفظت لنا صوته، فلماذا لا نحاول أن نحفظ المكان الذي صمت فيه صوته إلى الأبد؟
ربما لهذا السبب يبدو الحلاج خالدًا بطريقة غريبة.
جسده صار ترابًا،
وقبره دخل في دائرة الشك،
لكن اسمه ظل يمشي بيننا منذ أحد عشر قرنًا.
وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها:
قد يضيع قبر الإنسان،
لكن إذا بقي سؤاله حيًا،
فإنه لم يمت تمامًا.