الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حذار من أصحاب الإبتسامة الخبيثة

بواسطة azzaman

زمان جديد

حذار من أصحاب الإبتسامة الخبيثة

محمد خضير الأنباري

 

ليستْ كلّ ابتسامة دليل على المحبة، ولا كلّ وجهٍ بشوشٍ يخفي وراءهُ قلب صاف، ففي الحياةِ وجوها تبتسمُ لك، لكنها لا تفرحُ لفرحك؛ وتصافحك، لكنها تتمنى عثرتك؛ وتجلسُ إلى جانبك، وفي داخلها رغبة في البحثِ عنْ موضعٍ تضعُ فيهِ قدمها؛ لتدفعك إلى السقوط، تلكَ هيَ الابتسامةُ الخبيثة؛ ابتسامة لا تكشف ما في القلب، بقدرِ ما تتقنُ إخفاءه.

تعدُ الابتسامة، في ظاهرها، لغة إنسانية جميلة، لكنها قدْ تتحولُ أحيانا إلى قناعٍ ناعمٍ يخفي خلفهُ نياتٍ مبيتة، ومشاعر لا تقال، ومصالح لا تظهرُ إلا عندما تحينُ لحظتها، ولهذا، ليسَ منْ الحكمةِ أنْ نحكمَ على الإنسانِ منْ ملامحهِ وحدها، ولا منْ كلماتهِ المعسولة، فبعض الوجوهِ تبتسمُ لك، بينما تخفي في أعماقها ما يدعوك إلى الحذر.

 قدْ يبدو الحديثُ عنْ (الابتسامة الخبيثة) للوهلةِ الأولى حديثا عنْ سلوكٍ فرديٍ عابر، لكنهُ في الحقيقةِ يتصلُ بطبيعةِ الإنسانِ وعلاقاتهِ ومصالحه، بلْ يمكنُ أنْ يمتدَ منْ العلاقاتِ الاجتماعيةِ البسيطةِ إلى أكثرِ القضايا تعقيدا في السياسةِ والعلاقاتِ الدولية.

إنَ الإنسان، قدْ يمارسُ السياسةَ داخلَ بيتهِ ومحيطه الاجتماعي، كما تمارسُ الدولُ السياسةَ داخلَ المجتمعِ الدولي؛ وفي الحالتينِ قدْ تتقدمُ المصلحةُ على المبدأ، والحيلةِ على الصراحة، والمناورةِ على الوضوح.

 منْ هنا، يصبحُ الوجهُ المبتسمُ أحيانا أكثرَ حاجةٍ إلى التأملِ منْ الوجهِ العابس، لأنَ العبوسَ قدْ يكشفُ موقفَ صاحبه، بينما قدْ تخفينَ الابتسامةَ ما لا تقولهُ الكلمات.قالَ الله سبحانهُ وتعالى: (ولا يحيقُ المكرُ السيئُ إلا بأهله) فاطر: 43. لاتمثل هذهِ الآيةَ الكريمةَ مجردَ تحذيرٍ منْ المكر، بلْ تحملُ معنى عميقا منْ معاني الحياة؛ فالمكرُ قدْ يرتدُ على صاحبه، والحفرةِ التي يحفرها الإنسانُ لغيرهِ قدْ تكون، في نهايةِ المطاف، المكان الذي يسقطُ فيه.

     في بعضِ المجالسِ، ربما تجدُ منْ يتحدثُ عنك بعدَ مغادرتك، وينتقصُ منك، ويفسرُ مواقفك بسوء، ويبحثُ عنْ ثغرةٍ ينفذُ منها إلى حياتك أوْ عملك أوْ سمعتك، وقدْ يحسدك على أخلاقك، وهدوئك، وعلمك، وعلى قدرتك على كسبِ قلوبِ الآخرينَ دونَ ضجيج، والأشدّ خطرا أنَ بعضَ هؤلاءِ لا يكتفونَ بالكلام، بلْ يحفرونَ للآخرينَ حفرا حقيقية، وإنْ اختلفتْ أدواتهم؛ فكلمةٌ في غيرِ موضعها، أوْ وشايةٍ عابرة، أوْ إشاعة مقصودة، أوْ تحريض خفي، أوْ علاقة يستثمرونها في الوقتِ المناسب، قدْ تكونُ جميعها أدوات لإيذاءِ إنسانٍ لمْ يدرِ منْ أينَ جاءتهُ الضربة.

 قدْ يظنُ صاحبُ الابتسامةِ الخبيثة، أنهُ يحققُ لنفسهِ مكانةً اجتماعيةً أوْ نفوذا بينَ الناس، أوْ تعويضا  لنقصا ما في شخصيته، لكنهُ في الحقيقةِ يهدمُ مكانتهُ بيده، حجرا بعدَ حجر، فالناسُ قدْ لا يواجهونهُ بحقيقته، قدْ يبتسمونَ لهُ كما يبتسمُ لهم، لكنهمْ في داخلهمْ يتعلمونَ شيئا مهما: إنَ الثقةَ بهِ، ينبغي أنْ تكونَ محدودة، والظهرَ يحتاجُ إلى الحذرِ عندما يكونُ قريبا، ولعلَ أخطرَ ما في الابتسامةِ الخبيثة، أنها لا تأتي دائما منْ عدوٍ واضح؛ فالعدوُ الصريح، يمكنُ أنْ تحذرَ منه، أما الذي، فيقتربُ منك بابتسامة، ويمنحك الثقة بلسانه، ثمَ ينسجُ لك الضرر منْ خلفك، فهوَ أكثرُ قدرةٍ على إيلامك.

في النهاية، قدْ تكونُ أجمل ابتسامة هيَ تلكَ التي لا تحملُ وراءها حسابا معيناً، وأصدقَ تحية هيَ التي لا تتبعها طعنة، وأكرمَ الناس هوَ منْ يحفظُ لك مكانتك في حضورك وغيابك، فليسَ كلّ منْ ابتسمَ لك صديق، وليسَ كلا منْ صمتٍ عنك عدوا؛ وإنما تعرفُ معادن الناسِ عندما تتعارضُ المصالح، وتختبرُ الأخلاق حينَ تغيبُ الرقابة، ويظهرُ صدق الإنسانِ عندما يصبحُ قادرا على إيذائك … ثمَ يختارُ ألا يفعل.


مشاهدات 24
الكاتب محمد خضير الأنباري
أضيف 2026/09/13 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/09/14 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 22465 الكلي 16554985
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير