الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سلطنة عمان: من بركة الموز إلى قرية السوجرة والجبل الأخضر

بواسطة azzaman

سلطنة عمانمن بركة الموز إلى قرية السوجرة والجبل الأخضر

حين يكون السفر بحثاً عن المجهول

حمدي العطار

ليس الاستكشاف أن تزور مكاناً معروفاً أو أن تصل إلى وجهة يستطيع الجميع الوصول إليها، فالسفر الحقيقي في نظري يبدأ عندما يغادر المسافر الطرق المألوفة ويبحث عن الأمكنة الأقل شهرة ويخوض مغامرة الوصول إليها ثم يعود محملاً بالحكايات والصور والانطباعات التي ينقلها إلى القارئ.

ومن هذا المنطلق لم نكتفِ بالبقاء في العاصمة مسقط سوى يوم واحد وقررنا أن نغادرها باتجاه أماكن لا تدخل عادة ضمن برامج المجموعات السياحية التقليدية بحثاً عن وجه آخر لسلطنة عمان :وجه تختلط فيه الطبيعة بالتاريخ والقرية الجبلية بالتراث والماء بالحياة. كانت محطاتنا هذه المرة: بركة الموز، وقرية السوجرة، والجبل الأخضر. وهي رحلة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر بل كانت مغامرة لاكتشاف تفاصيل عمانية ربما لا يلتفت إليها السائح في زيارته الأولى.

بركة الموز

كانت محطتنا الأولى بركة الموز وهي قرية تراثية تتبع ولاية نزوى في محافظة الداخلية وتقع عند سفح الجبل الأخضر ولذلك تعد من بواباته المهمة.

منذ اللحظة الأولى يلفت انتباه الزائر ذلك التداخل الجميل بين الطبيعة والتراث: بساتين خضراء، ونخيل ومزارع، وبيوت طينية قديمة، وأزقة ضيقة تحمل ملامح المكان العماني القديم. وكان فلج الخطمين واحداً من أبرز ما استوقفنا في هذه المحطة. فالأفلاج ليست  قنوات لنقل المياه فحسب وإنما هي جزء من تاريخ الحياة العمانية، إذ ارتبطت بها الزراعة واستقرار السكان وتوزيع المياه بينهم. وقد أدرج نظام الأفلاج العماني ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. قضينا وقتاً ممتعاً ونحن نتتبع مجرى الفلج، ونشاهد كيف تتحول المياه إلى مصدر للحياة وسط البيئة الجبلية القاسية. ثم انتقلنا بين البساتين، حيث أشجار النخيل والموز والمساحات الخضراء التي تمنح المكان خصوصيته.

ومن الأماكن التي جذبت انتباهنا أيضاً حارة السيباني، بما تضمه من بيوت طينية قديمة وأزقة ضيقة تروي شيئاً من ذاكرة القرية وعمرانها التقليدي. في بركة الموز لا يشعر الزائر أنه أمام قرية تراثية فحسب بل أمام مشهد حي تتجاور فيه الذاكرة مع الحياة اليومية، فالتراث هنا ليس متحفاً مغلقاً وإنما جزء من المكان وسكانه وطبيعته.

بعد بركة الموز بدأت المرحلة الأكثر صعوبة وإثارة في الرحلة عندما انطلقنا نحو قرية السوجرة وهي قرية تراثية جبلية تقع في أحضان الجبل الأخضر.

كان الوصول إليها بحد ذاته جزءاً من المغامرة. فالطريق الجبلي والصعود بين التضاريس الوعرة يجعلان الوصول إلى القرية مختلفاً عن زيارة الأماكن السياحية المعتادة.

السوجرة قرية قديمة يعود تاريخها إلى نحو خمسة قرون وتتميز بمبانيها الحجرية والطينية التي حافظت على الكثير من ملامحها التقليدية. وقد عمل الأهالي على ترميم عدد من البيوت القديمة وتحويلها إلى نزل تراثية لتصبح القرية نموذجاً جميلاً في تحويل التراث إلى مورد سياحي من دون أن تفقد المكان روحه الأصلية.

ما يميز السوجرة ليس قدم مبانيها فقط بل موقعها أيضاً، فهي تبدو وكأنها معلقة بين الجبال وتحيط بها المدرجات الزراعية والمناظر الطبيعية التي تمنحها مشهداً استثنائياً.

وأكثر ما يلفت الانتباه أن تجربة السوجرة لا تقوم على مشاهدة الأبنية القديمة فقط، وإنما على الإحساس بالمكان: صعوبة الوصول، هدوء القرية، طبيعة الجبال، وملامح الحياة التي حافظت على حضورها رغم مرور مئات السنين.

كما أن تحويل البيوت القديمة إلى أماكن للضيافة يمثل تجربة تستحق التوقف عندها، لأنها تقدم للسائح فرصة للنوم والإقامة داخل التاريخ بدلاً من الاكتفاء بمشاهدته من الخارج. كانت محطتنا الأخيرة الجبل الأخضر الذي منح الرحلة بعداً آخر ليس فقط بسبب تضاريسه وطبيعته وإنما بسبب التغير الواضح في الطقس. فقد غادرنا مسقط وسط حرارة مرتفعة، لنجد أنفسنا بعد الصعود إلى المناطق الجبلية أمام أجواء أكثر برودة وهواء منعش يختلف تماماً عما عشناه في العاصمة.

وهذا التباين المناخي كان واحداً من المفاجآت الجميلة في الرحلة. فسلطنة عمان رغم طبيعتها الصحراوية والجبلية تقدم تنوعاً جغرافياً ومناخياً واضحاً بين مناطقها بحيث يمكن للمسافر أن يعيش خلال الرحلة الواحدة أكثر من تجربة.

فعاليات سياحية

وكان من اللافت خلال زيارتنا للجبل الأخضر وجود فعاليات سياحية وثقافية تسعى إلى استثمار طبيعة المكان وتقديمه للزوار بطريقة مختلفة، ومنها مهرجان الجبل الأخضر 2026، الذي يجمع بين العروض الترفيهية والفعاليات العائلية إلى جانب الأسواق والمنتجات المحلية والأكلات العمانية. وتمنح مثل هذه الفعاليات المكان حيوية إضافية خصوصاً عندما تتكامل مع البيئة المحلية، وتتيح للزائر التعرف إلى منتجات الأهالي وحرفهم ومأكولاتهم بدلاً من أن تكون السياحة  مشاهدة للمناظر الطبيعية فحسب.

رحلة استكشاف

انتهت جولتنا الثانية في رحلة استكشاف سلطنة عمان، لكن الذي بقي في الذاكرة لم يكن الأماكن وحدها وإنما الطريق إليها أيضاً.

ففي بركة الموز اكتشفنا علاقة الإنسان العماني بالماء والزراعة، وفي السوجرة لمسنا قدرة الأهالي على الحفاظ على قرية عمرها قرون وتحويل بيوتها القديمة إلى تجربة سياحية، أما الجبل الأخضر فقدم لنا نموذجاً آخر للتنوع الطبيعي والمناخي والقدرة على استثمار المكان سياحياً. لقد اكتشفنا أن جمال عمان لا يكمن فقط في العاصمة مسقط ومعالمها الحديثة، بل في القرى الصغيرة والطرق الجبلية والأفلاج والبساتين والبيوت الطينية، وفي تلك التفاصيل التي قد لا تظهر لمن يكتفي بالرحلات السياحية التقليدية. وربما لهذا السبب تحديداً أحب أدب الرحلات، لأن الرحلة لا تبدأ عند الوصول، بل تبدأ من الطريق، ولا تنتهي عند العودة، بل تستمر في الذاكرة، ثم تتحول إلى كلمات وصور وحكايات تصل إلى القارئ.

وفي هذه الرحلة، كان أجمل ما اكتشفناه أن عمان لا تقرأ من خلال معالمها الكبيرة وحدها، وإنما من خلال تفاصيلها الصغيرة، من ماء الفلج، وظلال النخيل، وحجارة البيوت القديمة، وهدوء القرى، وهواء الجبل الذي يغير مزاج الرحلة كما يغير الطقس.


مشاهدات 72
الكاتب حمدي العطار
أضيف 2026/09/05 - 2:30 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 6:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 476 الشهر 7161 الكلي 16539681
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير