الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرقصة المؤجلة

بواسطة azzaman

الرقصة المؤجلة

حسين علي الحمداني

 

الشاي من فم الإبريق إلى القدح يصدر صوتاً أسمعه لأول مرة، كأنه يغني. فاحت رائحة الهيل.

ما بين رشفة منها وأخرى مني، من قدح واحد لم يكن يحمل سوى بصمات شفاه ظلت معلقة في فضاء ممتد بين قارتين، وعدة بحار، وبضعة حروب.

كنت أنظر إلى حنان، وهي تأخذ آخر رشفة. أقرأ ملامح وجه عرفته منذ عشرين عاماً، في صورة شبه رسمية وصلتني في ظرف فبراير 1993. أعانه الله على حمل صورتها.

أغمضت عينيّ حينها. أعرف أني أحتاج أن أراها وأنا أضع عينيّ بين أصابعي، أراها رويداً رويداً. مثلي لا يمكن أن يرى مثلها دفعة واحدة... أخاف.

هي الآن تسبقني إلى "جَعْب الاستكان"، الذي طالما كانت فيه بقايا كعك أو "كليجة" كنت أغمسها فيه، كأي طفل يريدون فطامه.

قلت لها: أنرقص يا صغيرتي؟ 

قالت: لبيك. 

يا إلهي... من أين تأتين بهذا؟

لم أسمع رداً. كانت تعيد خصلات شعرها بعيداً عن وجهها، كأنها تريد أن يبقى هذا المكان منيراً بها. لا أدري كيف كانت يداها تطوقان رقبتي. أنا أطول منها، لكنها أطول مني أيضاً. يداي ترتجفان... أعرف إنه الخوف.

تذكرت: كنت أحلم أن يطوق كفاي خصرها. أيحق لي؟ 

أشم رائحة بخور أمي، وترنيمة "محروس". تغادر يداي الخوف، وتحط الرحال هناك في البعيد الذي حلمت به.

كانت يداي أجرأ مني. كانت عيناها نحوي. أسمعها تقول: سلام على يدين هبطتا بسلام في خصر خُلِق لأجل هذا الهبوط.

وضعت رأسها على ساحل تعرفه. لم نكن نرقص... كنا نهذي. أصابتنا عيون الحاسدين، وأمي لازالت تبخر المكان وتقرأ المعوذات.

قالت: إنك تجيد الرقص؟ 

قلت: معك فقط. 

قالت: أنا ذكرى جميلة عندك. 

قلت: ذكرى؟ لا... أنت ذاكرتي التي لا تصدأ.

شعرها تمرد كعادته، غطى وجهي. ذات الخصلة رأيتها تغطي وجهي كما كانت تفعل كل يوم.

قالت: كنت أحلم بهذه الرقصة وأنا بعمر ثمانية عشر سنة، وظفائر تلميذة. 

قلت: وأنت الآن بعمر ثمانية عشر، وشعر متمرد مجنون.

ذهب الحسد. الشرفة ليست كبيرة، لكنها واسعة، تتحمل هذا الفضاء برمته، وتتحمل وقع رقص طال انتظاره. لم تعد شرفة... بل مرقص هادئ.

قالت: هل تؤلمك قدماك المصابتان بشظايا الحروب حين ترقص؟ 

قلت: ألستِ معي حين غسلنا أقدامنا عند البحر؟ هل شاهدت كيف أخذت موجاته الشظايا؟ تطهرت قدماي.

استدرنا صوب القمر. قالت: كنت أخشى أن أكون مثل مي. 

قلت: لست جبران يا صغيرتي. 

شعرت إنها تحضنني بقوة: أنا حنان، وأنت لست جبران. 

قلت: هما عاشوا الخوف... نحن غادرناه.

قلت: لم أحسن وصفك؟ وجه مستدير، بعيون واسعة، وأنف ألماسي، ورقبة مرمرية، وضحكتك تشبه رنين الأساور في يد امرأة بابلية. 

قالت: رنين الأساور... ما أجملك حين تصف! عندي أساور غداً، أضعها كي تسمع رنين قرطاج فيها.

قالت: كم حلمنا بهذه الرقصة يا حسووني؟ 

ضحكت: كم مرة لم نحلم بها... عيون حسووني أنت.

قلت: سأحملك بين يدي، ها؟ 

قالت: لا تستأذن. 

حملتها. يا إلهي... أيحق لي أن أحقق كل أحلامي دفعة واحدة؟ 

قالت: أحلامك وحدك؟ قل: أحلامنا.

قلت: أين مكانك؟ 

قالت: نجلس هنا عند حافة السرير، والنافذة مفتوحة. نجلس نكمل رقصة معطرة ببخور أمنا.

قلت: هل كنت تخشين أن لا أصل؟ 

قالت وهي تهز رأسها: إي. بقيت أسأل: هل يأتي؟ هل بقي حياً؟ أعرف أني انقطعت عنك، لكن فقط بضع سنوات.

أمي كانت، كلما تسمع أخبار العراق، تسألني عنك. أقول لها: لا أعرف. صديقتي تركتني بعد أن تزوجت. أخي كان يحفظ بطاقات العيد في دولابه.

أبي، عندما دخلت أمريكا إلى العراق، نظر إلي كأنه يقول: ها حنان، انتهى كل شيء. كأنه يقول: أغلقي ذاكرتك، ليس هنالك من ناجين.

قلت: كفكفي دموعك، الناجون يتأخرون. 

قالت: لم تكن من الناجين حينها. كيف لي أن أعرف إنك نجوت، والعراق لم ينجُ بأكمله؟

ذهبت إلى خزانة هي كل ما أمتلك: آخر رسالة منك رقمها سبعمائة وواحد، تقول إنك أصبحت مديراً للمدرسة، وأمك أصبحت أم المدير. وتختمها: المخلص... 8 أكتوبر 1999، عيد ميلادك الخامس والثلاثون.

قلت: ها نحن نلتقي رغم كل شيء. نحن أشجع من جبران ومي. 

ضحكت... قلت: إي، اضحكي. أجمل الضحكات المصحوبة بالدموع.

بقيت لي أمنية قبل النوم. رفعت رأسها: لا تستأذن. 

قبلتان على خدك. 

قالت: خذهما، صغيري. أعرف إنك تتوضأ قبل النوم. الفجر لاح. عندما تستيقظ، أفطر بيضاً بزيت زيتون من مزرعة أمي. 

قلت: وأنت؟ 

قالت: سأرقد هنا قربك، لكن لن أصحى قبلك. وأنت لن تنام... ستظل تحرس أحلامي الكثيرة.


مشاهدات 72
الكاتب حسين علي الحمداني
أضيف 2026/09/01 - 2:09 PM
آخر تحديث 2026/09/02 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 203 الشهر 2012 الكلي 16134533
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير