من صناعة الوعي إلى مرآة السلبيات
سيف حسون
في عقود مضت، كانت الشاشة التلفزيونية بمثابة منارة للتثقيف، والتنوير، وبناء الوعي المجتمعي. كان المشاهد يجلس أمامها ليتعلم، ويتأثر بالقيم الإيجابية، ويكتسب سلوكيات ترتقي بذائقته وفكره. أما اليوم، فنشهد تحولاً مقلقاً أخذت فيه الشاشة تلعب دوراً عكسياً؛ فبدلاً من أن تقود المجتمع نحو الأفضل، أصبحت تستقطب أسوأ ما فيه وتعيد تصديره للمشاهدين تحت مسمى «الترفيه» أو «نسب المشاهدة».
ولعل أبرز تجليات هذا التحول هو تنامي ظاهرة التنمر والمهاترات اللفظية التي باتت تغزو البرامج الحوارية. هذه البرامج، التي يُفترض أن تكون مساحة للحوار العقلاني وتبادل الآراء المحترمة، تحولت في كثير من الأحيان إلى حلبات للصراخ والتراشق بالألفاظ، والتقليل من شأن الآخرين.
إن ما يحدث ليس مجرد ترفيه عابر، بل هو ظاهرة غير صحية بالمرة. عندما يُشرعن التنمر على الشاشات ويُقدم كـ «مادة جاذبة»، فإننا نساهم بشكل مباشر في تطبيع هذا السلوك العدواني لدى الأجيال الناشئة. بدلاً من أن يكون الإعلام أداة لتهذيب السلوك، أصبح وسيلة لنقل الأمراض المجتمعية من الواقع السلبي إلى الشاشة، ومن ثم إعادة إنتاجها وتضخيمها لتعود إلى المجتمع بشكل أعمق وأخطر.
إن الهجرة السلبية للسلوكيات المرفوضة إلى الشاشة التلفزيونية تدق ناقوس الخطر، وتضع صناع المحتوى والقائمين على القنوات الفضائية أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية كبرى. الشاشة قوة ناعمة هائلة؛ إما أن تُبنى بها العقول أو تُهدم بها القيم.
لقد حان الوقت لتستعيد الشاشة دورها الحقيقي كصانعة للوعي وموجهة للسلوك الإيجابي، وأن تضع حداً لهذه الظواهر التي لا تليق بمجتمعاتنا ولا بثقافتنا. إن إيقاف تصدير السلبيات عبر الإعلام ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة ملحة لحماية الذوق العام وتحصين المجتمع.