الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عن الثقافلوجيا

بواسطة azzaman

عن الثقافلوجيا

عبد الحسين شعبان

 

‏أجّلتُ تسليط الضوء على كتاب «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» للكاتب والروائي والناقد العراقي جمال حسين علي، وذلك لحين استكمال قراءتي لكتابيه المكمّلين للموضوع ذاته، وأعني بذلك «بلطجة المثقفين» و»بازار الثقافة الكبير». وهي كتب تندرج فيما أسمّيه الثقافلوجيا أي «الثقافة ضدّ الثقافة»، تناول الكثير من الظواهر المرضية التي يعيشها المثقفون في عالمنا العربي، محاولًا تعرية زيف العديد من الادعاءات ومنتقدًا الكثير من التصرفات والسلوكيات المناقضة للقيم الإنسانية والجمالية. وقد جئت على ذكر بعضها في المقالتين الموسومتين «عن غيرة المثقّفين» و» الثقافة و»الأنا».

‏وجمال حسين علي، على ما أحسب، معروف لدى المثقفين الجادين والحقيقيين من كتبه ومنجزاته الإبداعية، ويحمل شهادة دكتوراه في الفيزياء النووية من الاتحاد السوفياتي، وعمل مراسلًا حربيًا في كاراباخ وأذربيجان وأرمينيا والحرب الشيشانية الأولى والثانية، وأفغانستان والبوسنة والبلقان وكردستان ودارفور والعراق ولبنان، والشيء بالشيء يُذكر، فالعديد من الأدباء عملوا كمراسلين حربيين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، ليو تولستوي وإيرنست همنغواي وجورج أورويل وألبير كامو وغابريل غارسيا ماركيز وغيرهم، ودوّن خبراته في كتب أبرزها «انكسار عباد الشمس» و»افتتاح ثقب الإبرة».

 ويقول عن نفسه: أكبر حب أخفيته وكأنه غير موجود هو حبّي للفيزياء، فقد قضيت حياتي بين الكتب والمكتبات وفي مكاتب الصحف والمجلات، وبدأت الأدب والعلم بالبحث كطريقة أساسية للتعلّم، لذلك كونت فكرتي عن الناس والكون والفضاء والتاريخ بشق النفس.

مثقّف حقيقي

‏وبالعودة إلى كتاب «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟»، الذي يراه البعض مستفزًا، إلّا أنني اعتبره دفاعًا عن الثقافة ضد التفاهة والرثاثة والتسطيح، وهو دعوةٌ لاحترام العقل وتشبّثٌ بالقيم الإنسانية وتمسّكٌ بالمعايير الأخلاقية، فالثقافة هي القوة الأكبر لصناعة العقل، والمثقّف الحقيقي هو الذي يترفّع عن دخول حروب لا تُغني ولا تُسمن من جوع، بل هي أقرب إلى حرب داحس والغبراء، حين تهيمن الكراهية ويستولي القبح على التسامح والجمال.

‏وحسب جمال فإن الخطر الأكبر الذي يهدّد الثقافة ليست الإنترنت أو التلفزيون أو السينما أو التطور التكنولوجي، بل إن أكبر الأخطار هي الثقافة حين تُقدَّم بشكل سيء، «الثقافة ضدّ الثقافة – الثقافلوجيا»، و «المثقّف ضدّ المثقّف»، حيث تنتشر ثقافة الترهيب والترغيب، ولكل شيء ثمنه، فالتهميش والإقصاء والقمع مقابل المناصب والجوائز والامتيازات. وينسى بعض المثقفين أو يتناسى دوره التنويري والنقدي كمبدع، فيصبح مروّجًا يزوّق خطاب أصحاب الشأن السياسي أو الحزبي أو الطائفي أو العنصري أو المالي، ويتحوّل إلى رقيب وحاجب على زملائه، يلهث لإرضاء مرؤوسيه الذين يتعاملون معه كموظف تابع يمكن الاستغناء عن خدماته لحظة ما يشاؤون.

‏وقد يسأل القارئ لماذا يقع المثقف وهو صاحب معرفة بمثل هذه الفخاخ؟ والاستدراك الذي يراودني باستمرار أن ثمة فارقًا بين المعرفة والحكمة، فقد لا تعوز المثقف المعلومات، بل تنقصه الحكمة، خصوصًا حين يزدحم قلبه بالأهواء والأنانية، ولذلك لابدّ من التمييز بين العالم والحكيم، فالأول يكون خاضعًا لأناه المضخّمة (الإيكو)، أما الثاني فهو يعرف نفسه ويستطيع أن يُنقّي قلبه من الشرور والكراهية، خصوصًا حين يكون همّه البحث عن الحقيقة وليس المصلحة الشخصية، وأظن أن تلك هي أخلاق المثقف الحقيقي، لاسيّما قدرته على الاعتراف بالآخر وممارسة النقد والنقد الذاتي بوصفه مسؤولية ثقافية ومعرفية وأخلاقية.

‏إن المثقف الذي يفرح بالتنكيل بزميله أو الإساءة إليه أو الانتقاص منه، لا يضيف إلى ثقافته شيئًا، وإنما يزيد من كراهيته، ليس إزاء زميله فحسب، بل إزاء نفسه وثقافته بتقديم شاهد جديد على أحقاده، بما يعكس ضيق الصدور وعتمة الأرواح وسوء النوايا، ويذكرني ذلك ببيت شعر الصديق وليد جمعة «ثراء في التفاصيل ونقص في النوايا»، وهي عبارة بليغة ذات حمولة نقدية وبُعد فلسفي.

للأسف فإن بعض المثقفين ينساق مع بعض الموجات السوداء لاعتبارات سياسية أو حزبوية أو طائفية أو إثنية، ولسان حاله يقول كل من هو ليس منّا فنحن غير معنيين به أو بالدفاع عنه، ويذهب البعض أكثر من ذلك حين يعتبر الآخر منافسًا يمكن المساهمة في تحطيمه أو السكوت على الانتقاص منه أو حتى إهانته أو تشويه سمعته، ويقول جمال حسين علي في معرض النقد الذاتي، وهو محق تمامًا، «كلنا يتحمّل المسؤولية ونحن من شجّعنا على الابتذال وعلينا أن نحاكم أنفسنا» ثم يتساءل لماذا يهرع الملايين لمتابعة الابتذال؟ ولماذا تكون نسبة المشاهدة الأعلى لمن يسميهم المجتمع ساقطين؟ ولماذا تغْبرّ الكتب العظيمة في الرفوف؟

‏هنا يكمن الفرق بين المثقف النقدي وبين أشباه المثقفين الذي تضجّ بهم وسائل الإعلام، ولم تكتفِ السلطات اليوم أو الشركات أو صنّاع الثقافة كالفضائيات والصحف وأصحاب المال بتطويع المثقف واستيعابه في منظومتها تحت عناوين المستشارين حتى وإنْ لم يستشاروا، لكن بعضهم يستطيب هذه المواقع ويعطي نفسه مثل هذه الأدوار البطولية والأمنية والاتصالات السرية بالدول والحكومات والدبلوماسيين والمبعوثين.

 

 


مشاهدات 42
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/08/05 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:25 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1166 الشهر 5663 الكلي 16095367
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير