لماذا يتراجع المعلم عن كونه قدوة ؟
سيف حسون
«ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟» .. سؤال تقليدي نكرره بابتسامة على مسامع الصغار في جلساتنا العائلية وبين الأقارب، لكن الإجابات اليوم لم تعد كالأمس. يتسابق الأطفال نحو ألقاب «الطبيب»، «المهندس»، أو ربما «صانع المحتوى»، بينما يغيب «المعلم» تمامًا عن أمنياتهم الشغوفة.هذا الغياب الصامت يطرح استفهامًا مؤلمًا: هل هناك إجحاف بحق من كاد أن يكون رسولاً؟ أليس المعلم هو حجر الزاويه الذي وضع أول طبشور في طريق الطبيب نحو طبّه، والمهندس نحو بنيانه؟
من الساحة التعليمية إلى الهامش
لا يمكن إغفال الجانب الوجداني؛ فالمعلم هو الذي سهر على تغذية العقول وتشكيل وعي الأجيال، وعنده تبدأ أولى خطوات بناء المجتمعات الفاضلة. لكن الواقع الراهن يفرض علينا مواجهة حقيقة قاسية: لقد فقدت مهنة التعليم بريقها في أذهان الناشئة، ولم يعد معلم اليوم يمتلك تلك الهيبة والرمزية التي كانت تميزه في العقود الماضية.
وترجع هذه الظاهرة إلى عوامل عدة، أبرزها: تراجع الصورة المجتمعية والاقتصادية: أصبحت تطلعات الشباب ترتبط بمدى الدخل والجاه الاجتماعي الذي تمنحه المهنة، وهو ما تراجع لصالح مهن أخرى على حساب التعليم.اهتزاز صورة «القدوة»: الأهم من الأثر المادي، هو أن القدوة الحسنة لم تعد تظهر بالوضوح الكافي داخل الصفوف الدراسية؛ فبسبب ضغوط الحياة وتراجع الرغبة بالمهنة، بات بعض المعلمين يتعاملون مع رسالتهم كـ «وظيفة أداء واجب» لا كـ «رسالة بناء أمة».
سقوط القدوة.. وسقوط القيم
عندما ينظر الطفل إلى معلمه ولا يرى فيه الشخصية الملهمة التي يتمنى أن يحتذي بها، تتزعزع لديه قيمة العلم ذاته. فالقدوة الحسنة هي أعلى ما يرتجيه المجتمع؛ لأنها الجسر الذي تنتقل عبره القيم والمبادئ من جيل إلى جيل.إن سقوط رمزية المعلم كقدوة لا يعني مجرد تراجع إقبال الطلاب على كليات التربية، بل يعني بداية هشاشة في الجدار الأخلاقي والمعرفي للمجتمع. فإذا انهرت القدوة في المدرسة، بحث الصغار عنها في مكان آخر.. وغالبًا ما يجدونها في ساحات وهمية لا تبني مجتمعًا ولا تقيم حضارة.
إعادة العرش لإصلاح المجتمع
إن رد الاعتبار للمعلم ليس مجرد لفتة وفاء أو إنصاف شخصي، بل هو ضرورة مجتمعية قصوى. ولا يكون ذلك إلا من خلال:
إعادة بناء الرمزية: اختيار المعلمين وفق كفاءات تربوية وأخلاقية عالية تجعل منهم قدوة حقيقية تُحتذى.
التقدير المجتمعي والمادي: منح المعلم المكانة التي تستحقها رسالته، ليعود في عين الطفل نموذجًا يُحتذى وشغفًا يُطلب.
التذكير بالفضل: تعزيز ثقافة الاحترام والامتنان لمن علمنا كيف نكتب أول حرف، وبنى أفكارنا لنكون ما نحن عليه اليوم.سيظل الطبيب يداوي الأرواح، والمهندس يبني المدن، لكن كلاهما يدين بالفضل لمن أوقف عمره داخل جدران فصل دراسي ليصنع منهما ما هما عليه. وحين يعود المعلم قدوة مُلهِمة، ستعود كلمة «أريد أن أكون معلمًا» إلى أفواه أطفالنا بكل فخر.