الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا أكتب؟


لماذا أكتب؟

عمر رفيق مياس

 

لا أكتب لأن لدي وقتًا فراغًا

بل لأن في داخلي ضجيجًا لا يُسكتُه إلا الحبر.

أكتب لأن بعض المشاعر لا تعرف طريقها إلى اللسان، فتختار الورق وطنًا لها. ولأن الكلمات، حين تعجز الأفواه عن حملها، تصبح هي اللغة الوحيدة التي لا تخون أصحابها.

يظن بعض الناس أن الكتابة هواية، لكنها في الحقيقة عند كثيرين نجاة. هناك من يصرخ، وهناك من يبكي، وهناك من يصمت… أما الكاتب فيكتب. والكتابة أحيانًا هي الصمت الذي تعلّم أن يتكلم.

أكتب لأن الذاكرة قصيرة، ولأن النسيان سريع. أكتب حتى لا تضيع الوجوه التي أحببتها، ولا المدن التي سكنت قلبي، ولا الأصوات التي غابت عن الدنيا وبقي صداها في داخلي.

أكتب لأن الزمن لصّ محترف؛ يسرق الأعمار، ويبهت الصور، ويُسقط الأسماء من الذاكرة. أما الكلمة الصادقة، فإنها تقف في وجه الزمن، كأنها تقول له: “قد تأخذ الجسد، لكنك لن تأخذ الأثر.”

كل إنسان يترك شيئًا خلفه؛ فمنهم من يترك بيتًا، ومنهم من يترك مالًا، ومنهم من يترك ولدًا صالحًا، ومنهم من يترك فكرة تغيّر حياة الناس. والكتابة قد تكون أعظم الميراث، لأنها تنتقل من عقل إلى عقل، ومن قلب إلى قلب، دون أن تنقص.

أكتب لأنني أؤمن أن الحروف تشبه البذور. قد تسقط اليوم في أرض قاحلة، لكنها قد تنبت بعد عشرين عامًا في قلب إنسان لم أره، فيجد فيها جوابًا لسؤال كان يؤرقه، أو عزاءً لحزن لم يعرف كيف يبوح به.

ولذلك كانت أول كلمة نزلت من السماء: ﴿اقْرَأْ﴾، ولم تكن: “تكلّم” أو “اكتب”. لأن القراءة تصنع العقل، والكتابة ثمرة العقل. وما يقرأه الإنسان اليوم قد يكتبه غدًا، وما يكتبه اليوم قد يصنع به مستقبل أمة.

وأكتب أيضًا لأن الحياة لا تُقاس بعدد السنين، بل بعدد المعاني التي نزرعها فيها. قد يعيش الإنسان مئة عام ولا يترك أثرًا، وقد يكتب سطرًا واحدًا فيبقى حيًا في ضمير الناس قرونًا.

ليس كل ما أكتبه حقيقة، لكنه صادق. وليس كل ما أكتبه تجربة عشتها، لكنه إحساس فهمته. فالكاتب لا يعيش عمرًا واحدًا، بل يعيش في حكايات الناس، ويستعير من آلامهم وأحلامهم ما يجعله أكثر إنسانية.

أكتب لأتغير، لا لأغيّر الآخرين فقط. فكل مقال أكتبه يعلّمني شيئًا عن نفسي قبل أن يعلّمه لغيري. وكل فكرة أدوّنها هي مرآة أرى فيها ما كنت أجهله في داخلي.

وعندما يسألني أحدهم: لماذا تكتب؟

أبتسم

وأقول:

لأن الإنسان يموت مرتين؛ مرة حين يتوقف قلبه، ومرة حين يُنسى اسمه. أما الكلمة الصادقة، فإنها تؤجل الموت الثاني، وربما تهزمه.

لذلك… سأظل أكتب.

ليس لأنني أبحث عن الشهرة، ولا لأنني أنتظر التصفيق، بل لأنني أؤمن أن الكلمة الطيبة قد تكون صدقةً جارية، وأن فكرةً واحدة قد تنير عقلًا، وأن جملةً صادقة قد تعيد الأمل إلى قلبٍ كاد يستسلم.

وإذا كان لكل إنسان رسالة، فلعل رسالتي أن أترك بين السطور ما يجعل قارئًا واحدًا، في يومٍ ما، يقول:

لقد وجدت هنا شيئًا كنت أبحث عنه منذ زمن."

أكتب لأنني عاصرت زمنًا ضاع فيه الحق بين الضجيج، واختلطت فيه الحقيقة بالرواية، حتى أصبح الصدق يحتاج إلى شاهد، وأصبح الكذب يملك آلاف المنابر.

أكتب لأنني عشت زمنًا تغيّرت فيه القيم أسرع من تغيّر الفصول؛ زمنًا أصبح فيه المظهر أهم من الجوهر، والصوت أعلى من الفكرة، والانتشار أسرع من الحقيقة.

أكتب لأنني في زمن التناقضات؛ زمنٍ يتحدث فيه الناس عن الإنسانية وهم يصنعون الحروب، ويتغنون بالحرية وهم يقيدون العقول، ويدعون إلى المحبة بينما تنمو الكراهية في التفاصيل الصغيرة.

أكتب لأنني رأيت كيف يمكن للمال أن يشتري كل شيء… إلا الضمير، وكيف يمكن للسلطة أن تفرض الصمت… لكنها لا تستطيع أن تمنع ولادة فكرة.

أكتب لأنني شهدت رحيل أناس كانوا مدارس في الأخلاق، وحضور آخرين يملكون الشهرة ولا يملكون الرسالة.

أكتب لأنني أخاف على الذاكرة من النسيان، وعلى التاريخ من التحريف، وعلى الأجيال من أن ترث الرواية قبل أن تعرف الحقيقة.

أكتب لأنني لا أريد أن أكون شاهدًا صامتًا على زمنٍ يكتب نفسه كما يشاء المنتصرون، بل شاهدًا يدوّن ما رآه بعينٍ صادقة وقلبٍ أمين.

أكتب لأنني مؤمن بأن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل مسؤولية. وأن الكاتب ليس من يُجيد ترتيب الجمل، بل من يملك الشجاعة ليكتب ما يمليه عليه ضميره.

أكتب لأنني لا أريد أن ألعن الظلام كل يوم، بل أن أوقد شمعة، ولو كانت صغيرة. ولأن الكلمة الصادقة قد لا تغيّر العالم كله، لكنها قد تغيّر إنسانًا واحدًا، وإنسانٌ واحد قد يغيّر عالمًا بأكمله.

"قد يعجز الإنسان عن تغيير عصره، لكنه لا يعجز عن أن يكتب شهادته عليه… وأنا أكتب؛ لأنني أرفض أن يكتب غيري حكايتي" .


مشاهدات 16
الكاتب عمر رفيق مياس
أضيف 2026/07/29 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 32664 الكلي 15997790
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير