الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أنين القصب

بواسطة azzaman

أنين القصب

جاسم عاصي

 

كلما استرخى رأسي على الوسادة بعد طول عناء في نهار مزدحم بالتعِب اللذيذ الذي اخترته وبدأته بالتجوال في كل صباح وسط مساحات المسطحات المائية للعثور على ما  يسد نهمي للجديد الذي يرافقني ويدعم وجودي في حياتي القادمة والتي تتسع لكل الكائنات والحيوات المتنقلة من هنا إلى هناك بانسيابية ومرونة تنساق معها الذات  المتشوقة للطمأنينة وطلب الاستقرار وسط ليونة سطح المياه الأخّاذ الذي يُمسك بكل قواي ورغبتي في التجول غير المحدود بعيداً عن صلابة اليابسة التي تُقهر الجسد وتمنعه من أداء فعالياته حيث يشاء مشكلاً سلطة خفية لا يظهر منها سوى ردة الفعل التي تُقهر جسدي .فقد وقفتُ حائلاً أمام  قوته التي تسقط على قواي ،منتهكة ومستهلكة كل طاقتي التي تُسعفني بالقدرة على المقاومة وتمتّع وجودي بحرية واسعة وسط المياه ،لا تضايقني صفوف البردي ولا تراصّ أعواد القصب التي تشهق برشاقة مذهلة إلى الأعلى وبمسافات تفوق قامات الرجال المبحرين وسط المسطحات الممتدة إلى ما لا نهاية ،حيث تندس بين طياته النابتة في المياه كالأسماك الصغيرة  مشكلة شريطاً لاصفاً ومتحركاً بموسيقى تداعب ليونة المياه ؛أما الكبيرة منها والتي تلبط مُحدثة حركة عنيفة تُغيّر سكون المياه  مشكلة مستعمرات تتلوى بإيقاعات راقصة وهي تستطف على شكل شريط ليّن حتى عمق الأرض .تتلوى الحيوات كما كنت أراها دائماً وسط صفاء المياه وعذوبته التي تحتوي أجسادها وهي تنط بين اللحظة والأُخرى من بين صفوف البردي والقصب بأجساد رصاصية لامعة ،تاركة حركات متجددة على أسفل سطح المياه بقليل ،محولة سطح المياه إلى تكسر مستمر صافي يشبه الموج الهادئ والمتلاشي تدريجياً ،متمرغة في لجته بعذوبة ورغبة كما هي منذ أن وجدت نفسها بين صفوف كل الحيوات تلك ؛حتى أُفاجأ مرات ومرات بوجودها وهي تنط بحركات تُحدث تلوي كتل المياه بما يشبه الموجات الهادئة ،فتهتز نظراتي وترتبك في كل مرة مصاحبة الأنين الذي يرافق حضورها وحضوري الدائم ،قائمين على فراش المياه المشحون بالدفء والسلام .يعاود الأنين حضوره ودورانه في رأسي ،كما كان وسط الغرفة ،مالئاً فضاءها المصنوع من عيدان القصب والبردي المصفوف إلى بعضه بإتقان ذكي وممارَس بفعل ملازم لكل جزء من وجودي داخل الحيّز الضيق الذي أُحب في الممرات المائية مخترقاً صفوف البردي والقصب .كان الأنين ينبعث بليونة وعذوبة ويتخلل مكوناتي في الداخل أول الأمر ثم يتفاعل مع كل جزء من المكان الذي يتطلب مني الاسترخاء داخله واستقبال سلطان النوم على أمل العودة صباحاً مسترخيا على  جوف فرس المياه المطلي بالأسود الناصع والداكن ،والظاهر للعيان كحيوان خرافي ،يتقدم حيزوم الزورق ،مخترقاً الفراغ الواسع الذي يمتد إلى البعيد ،ثم يتجول بي نحو الفيافي القريبة والبعيدة ،بحثاً عن حيوات المياه  ذات الفعالية المراوغة والمستمرة .لم يكن ثمة أنين ولا حركة تتلازم مع أعواد القصب والبردي بحيث تحجز عني كل ما أود رؤيته والتطلع إلى جماله الأخاذ الذي احتوى واحتضن كل الفارّين من جور وقسوة المدن والأزمنة القاسية والمصادرة لكينونة الإنسان مع رفقته الباحثين عن طريق مقاومة تعسف الأزمنة والإنسان المتجبر .كان وجودهم يتميز بالمبدئية والتزام الصلة الصعبة مع ليالي المسطحات أول مرة ،ثم انعكاس ضوء القمر الساطع الذي يبث ضوءه على كل المسافات الممتدة إلى ما لا نهاية والتي استدل بها أولئك التاركين ترف واسترخاء المدن للبحث في الغامض والصعب عن وسيلة للخلاص من جور الأزمنة وسلطانها المتجبر .مما جعل مشاعرهم تفيض بلا حدود على من حولهم من قاطني المسطحات من الأزل ،تجمعهم رؤية موحدة ومتجددة للأشياء والأزمنة بذكاء المتغيرات التي تركت الحيف يمتد ليمسك بمصير العامّة ،لذا كان وجودهم بمثابة تحدي لكل جبروت السلطات الجائرة .كانوا يتمتعون ويسايرون كل التقلبات في المساحات المائية  من أجل هدف كبير ومشع ينتظرون عطائه القادم ،بل كان ثمة سكون مباح كما أرى ،سكون مجلل بحركة حيوات المياه التي تبرز مثل نيزك لامع  بين آونة وأُخرى مخترقاً الفضاء ،ساقطاً كالجمرة الملتهبة ،حيث تخبو سريعاً مخلفة ومضات مشعة لا تشغلني كما كنت أميل إلى شروع الحيوات في النط من رحم المياه لا يثيرني  كثيراً ،لأنه يندرج ضمن ما  يصاحبني  يومياً في رحلتي المتعبة والطويلة .لكني لم أُواجَه بالأسئلة وفحواها ؛إلى متى يكون هذا مستمراً معي وهل سوف يلازمني كل حياتي ؟ لا جواب عندي بعد أن سلّمت أمري لمجريات الأزمنة وأنا في داخل الغرفة الصغيرة ،مكتفياً بالإصغاء إلى الأنين العذب الذي يأخذني إلى البعيد ..البعيد الغامض ،ولا أدري إلى أين سيسفر كل هذا المتواصل مع المتغيّر .هل مع البعيد الأغر أم ماذا ؟وفي كل مرة أفلت من مكاني ليلاً لأبحث عن مصدر الأنين علّي أقف عند مكمنه ،لكني أخفق في هذا  مرات .. ومرات .وفي كل محاولاتي  كنت منتظراً بزوغ الفجر للوقوف عند مصدر الصوت الذي يُحيل كل شيء عندي إلى حزن أبدي لذيذ كنت قد سمعته يوماً وأنا أتأمل الرجل الذي يضع صفاً من القصب المرصوص على بعضه بقطع القير القليلة لخلق التماسك بين القصبتين المثقوبتين من السطح .حيث كنت أغيب بملكوت السحر وأنا أُصغي للصوت المنبعث من القصبتين إثر نفخ الرجل للهواء من فمه .كان الصوت حزيناً أيضاً وقريب من النواح الذي أسمعه يومياً وأنا أدخل مخدع نومي  ،حيث كرّست كل وقتي وقوة رصدي واصغائي للوقوف على مصدر الصوت المنبعث من القريب أو البعيد ،لا علم لي في هذا ،أنا فقط أُداهَم من قبل الصوت حال مثولي داخل الغرفة ،وبالتالي يسيطر الأرق على وجودي الذي لا فكاك منه أبداً .لقد أُحيل شعوري إلى مبدأ استحالة السيطرة على كل شيء ما لم ينته سلطان الصوت الدائم عن حياتي سوى التركيز على الأصغاء متأملاً العثور يوماً على مصدره .لذا فكل الذي أمتلكه هو الاصغاء الدائم للأنين المفجع الذي يتداخل في فضاء الغرفة ويهيمن على كل جزء من وجودي في الغرفة ،يرافقني حتى يأخذني سلطان النوم المضطرب .كنت أصغي لصوت المغني الذي ينبعث من وسط مساحات المياه ،هو بمثابة غناء مفجع يتماثل مع الأنين الذي أصغي إليه في كل لحظة ،والذي أخذ بكل ما يمكّنه السيطرة على كل حواسّي .الصوت أخذ يقترب من موقعي بنوتات متوالية وتكسر حزين يختمها بمفردة ..آه يمّة   آخ كَلبي تفسر وروحي بين أديه .. يمّه وينج وين صرتي ..تركتيني بيد  لما يرحم ولا يخاف الله .. يمه الدهر دولبني ومرمرني .. تعالي انخلع كَلبي وجبدي ذاب ... وأردد ..من مكمني للفرار خارج جوفي ،ولا أجد من ينقذني  ، ذلك سوى البكاء المسيطر بشكل مفجع ،بل الاجهاز في تواليه بصوت عال وحزين على وجودي .فكلما زاد بكائي المحبوس اقترب الصوت من موقعي ،حتى شعرت أنه يطرق باب غرفتي فأهرع إلى جروف المياه بعد أن أفشل بالعثور على الطارق ولا أُواجه سوى بالفراغ الممل والقاهر .وحين اقتربت من الجروف لمحت زورقاً يجلس على حافته رجلاً يضع كفه على أُذنه وهو يتهدج بصوت يقترب من الأنين الذي كنت أسمعه وهو يردد.. يمّه ليش تركتي وليدج وسط أنذال .. ييمه تاكل بجبدي ولا تشبع البطون .. يمه شوفي شلون تاخذني العراجين .كان زورقه ينساب بليونة وسط المياه بينما ترانيم صوته تنتشر في الفضاء  مخترقة كل المصدات والعُقد ،مجتازة  كل ما من شأنه منع وصوله إلى آماد بعيدة .كنت أراه بأُميّ عينيّ وهو القريب من موقعي ،بينما بدأ القصب يتراقص بصفوفه الملازمة،                                                                                                                                                                                                                           تُعزز وجودي  أعواد وصفوف البردي التي شكلت غطاء يفرش الفضاء . لا حظت أن حركة رؤوس القصب تزداد ارتجافاً ورقصاً كلما اقترب الرجل بزورقه من صفوفها المتراصّة مع البردي ،لدرجة يتداخل الرقص مع انبعاث أنين متواصل يُفجع القلب ،والرجل يتناغم بصوته مع ما ينبعث من رؤوس القصب من أنين .كانت نهايات القصب من يُطلق الأنين كلما ازداد الرجف ،فقد أصبحا قطعة واحدة .لحظتها تذكرت سؤالي للمعلم في مدرسة أم رمانة وأنا أبدو على حال من البكاء المكبوت ،حيث لاحظ المعلم اختناق صوتي فأردفت قائلاً :

 

 ــ ما بك يا ولدي ؟!

 ــ أستاذ ما الذي أسمعه في كل وقت من أنين وسط المياه وفضاءها؟

تأمل بي المعلم بدقة قائلاً :

  ــ الجميع انتبه إلى هذا ،فمنهم من اقتنع والآخر بقي على سؤاله.

   ــ كيف أُستاذ ؟

  ــ  أنت هل رأيت وتفحصت رؤوس القصب جيداً ؟

  ــ ما بها أُستاذ ؟

  ــ ألم تلاحظ  أنها مثقوبة من الرؤوس ؟

  ــ ومن ثقبها بالله عليك ؟

  ــ الطيور بمناقيرها الجارحة بقوة وصلابة بنقرات متواصلة

     فأحدثت فراغات وثقوب يتخللها الهواء تاركاً الأصوات التي

      تصلك كالنحيب المستمر .إن الهواء ينفخ في الثقوب فتأتينا

      الأصوات كما تسمعها أنت وغيرك فتثير دهشتك ودهشتنا .

   ــ الثقوب ما بها ،لقد رأيتها ،لكني لا أعرف عنها شيئاً .

   ــ هي من يُطلق الأنين حين تزداد حركة الهواء  متخللاً الثقوب .

   ــ لاحظت هذا ولا أعرف شيء عنه بعد .فقط يحضرني أنينها المستمر

      الذي يُداهم وجودي وأنا داخل الغرفة ,او وأنا أُلاحظ الرجل وهو ينفخ في أُنبوب القصب ،فتنبعث إثر ذلك أصوات متناغمة تقترب مما أسمعه دائماً  ...آه أُستاذ كم هو مفجع ذلك الصوت الذي يقترب من الأنين ؟!

        ــ إنه من جعل غناء الجنوب حزيناً دائماً  كما سألت .

   ــ ماذا أُستاذ :!

   ــ الغناء ؟!!

    ــ نعم الغناء في الجنوب حزيناً ،دائماً فهو ينساق ليوقظ

      مشاعرنا المحبوسة والتي ما أن تستيقظ حتى تسيطر على

      كل أحاسيسنا .

    ــ هكذا تكون أنت ومن يعيش وسط جور الأزمنة المرّة التي لا تخلّف

       سوى الأنين الذي تتركه  رؤوس القصب في أذاننا  ،فتوقظ الحزن

       الأبدي الذي لازم كل حيوات المياه .

 

 تأملت قوله لحظتها ،وكأني اكتشف منجماً من ذهب .رحت بما يشبه الغيبوبة المتيقظة وأنا أتأمل قوله  الذي انتظرته طويلاً  ،حيث سد باب الأسئلة التي رافقتني وأنا وسط فيض المسطحات الرحبة التي لا تشبه سوى قلب الأم على أبنائها ،وهي تتفقدهم باستمرار .نحن رعايا المياه ذوي القلوب الرحبة المنصاعين لجبروت الأزمنة والهاربين نحو المسطحات ذات القلب الواسع ،نشكو لها جور الإنسان لأخيه الإنسان ،وصلابة الأزمنة المرّة التي لا تعكس سوى  صورة الجور الذي نُعاني منه باستمرار .


مشاهدات 44
الكاتب جاسم عاصي
أضيف 2026/08/02 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/08/03 - 4:19 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 804 الشهر 3071 الكلي 16002776
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير