سيادة الدقيقة الأولى.. حين تسبق الدولة الصاروخ والبيان معاً
كاظم نزار الركابي
في الصباح، كان العراق يجلس إلى طاولةٍ في أنقرة، يفتح خرائط الاستثمار والتجارة والممرات. وبعد ساعات، كانت بغداد تستدعي رجال الأمن إلى طاولةٍ طارئة، بعدما سبقت الصواريخُ الاتفاقاتِ إلى أرضها.
بين الطاولتين اختُصر مأزق دولةٍ كاملة. العراق يريد أن يدخل الإقليم بعقوده. الإقليم ما زال يدخل العراق بصواريخه.
قالت الرياض إنّ مسيّراتٍ انطلقت من الأراضي العراقية نحو منشآتها النفطية. فتحت بغداد تحقيقًا، وأكّدت أنّها لن تسمح باستخدام أرضها للاعتداء على دول الجوار. ثم جاءت الضربات الأميركية–السعودية داخل العراق، وسقط عراقيون، وأدانت الرئاسات انتهاك السيادة، بالتوازي مع رفض تحويل البلاد إلى منصّةٍ تهدّد الآخرين.
هذه هي المعادلة التي ينبغي ألّا تضيع بين غضبين: لا يحقّ لأحدٍ أن يطلق حربًا من العراق، ولا يحقّ لأحدٍ أن يعاقب العراق من دون دولته.
في اللحظة التي كانت الرياض تُعِدّ فيها لاستقبال رئيس الوزراء، تحوّلت الطاولة المنتظَرة إلى زيارةٍ مؤجَّلة. رئيسُ حكومةٍ يتعطّل استقباله لأنّ مسيّرةً من أرضه بلغت العاصمة المُضيفة قبل وفده. هذا وحده يختصر المسافة بين دولةٍ تكتب جدولها ودولةٍ يكتبه سواها.
ما جرى يفتح سؤالًا أكبر من هوية المسيّرة والجهة التي أطلقتها والموقع الذي استُهدف: أين كانت الدولة في الدقيقة الأولى؟
السيادة قبل الإدانة
اعتدنا قياس السيادة بما يصدر بعد اختراقها: بيانٌ قوي، واجتماعٌ عاجل، ولجنةُ تحقيق. هذه أدواتٌ ضرورية. هذه أدواتٌ تصل بعد أن تقول السماءُ كلمتها، وبعد أن تنتقل الدولة من موقع الفاعل إلى موقع الشاهد.
السيادة الحقيقية تبدأ قبل البيان: من الرادار الذي يرى، والقرار الذي يمنع، والمؤسسة التي تتكلّم بصوتٍ واحد. إنها القدرة على امتلاك اللحظة الفاصلة بين نيّة الاعتداء وتحوّلها إلى نار.
تلك هي سيادة الدقيقة الأولى: أن تعرف الدولة ما يتحرّك فوق أرضها وفي سمائها، وأن تحدّد مصدره ووجهته، وأن تمتلك سلطة إيقافه قبل أن يتحوّل إلى ذريعةٍ لدولةٍ أخرى أو مأتمٍ جديدٍ داخل الوطن.
الدولة التي تكتشف الحرب من بيانات الآخرين تتلقّى نتائجها ولا تصنع قرارها. تحتفظ باسمها في الجملة، وتخسر موقعها من الإعراب: تهبط من الفاعل الذي يصنع الحدث إلى المفعول به الذي يقع عليه. السيادة تبدأ حين تسترد الدولة الفعل، وتكفّ عن وصف ما فُعل بها.
من يملك رواية السماء؟
نقلت التكنولوجيا السيادة إلى فضاءٍ أسرعَ من البيروقراطية وأشدَّ مراوغةً من الخرائط. تستطيع طائرةٌ صغيرةٌ بلا طيار أن تقلع من بقعةٍ مجهولة، وتعبر مسافاتٍ بعيدة، ثم تضع بلدًا بأكمله أمام حربٍ لم يقرّرها.
هنا تظهر السيادة المعرفية بوصفها مقدّمة السيادة الأمنية. من لا يمتلك المعلومة في وقتها، لا يمتلك القرار في وقته. ومن تتوزّع معلوماته بين أجهزةٍ لا يجمعها عقلٌ وطنيٌّ واحد، يعجز عن تحويل الرصد إلى منع، والتحذير إلى حماية. الدولة التي تملك المعلومة تملك قرارها، والدولة التي تنتظر معلومة غيرها تنتظر إذنه.
حصر السلاح يبدأ بحصر المعلومة والقرار. العراق لا تنقصه المؤسسات الأمنية، ولا الرجال الشجعان، ولا الخبرات التي تراكمت في مواجهة الإرهاب. ما يحتاجه هو جمع هذه القدرات داخل عينٍ سياديةٍ واحدة، تستطيع خلال دقائق أن تجيب: ماذا انطلق؟
ومن أين؟ وإلى أين؟
ومن أصدر الأمر؟
عندها تتحدّث بغداد من داخل الحقيقة، فتغادر منطقة روايات المتنازعين.
المشهد بعد الضربة يقلب المعادلة على نفسها. الاعتداء الذي جاء لأنّ السلاح خارج قبضة الدولة يُستدعى اليوم حجّةً لإبقائه خارجها، وتتحوّل الثغرة إلى مبرّرٍ لاتساعها. الدولة التي تزور جرحى الضربة تعالج الأثر، والدولة التي تملك الدقيقة الأولى تمنع الأثر قبل وقوعه. تجميد حصر السلاح تحت وقع الصدمة يمنح الذريعةَ انتصارها الأخير: أن تصير الدولة أضعف بعد كل ضربةٍ تُوجَّه إليها.
لا حرب من العراق ولا حرب عليه
رفض الضربة الخارجية لا يمنح أيّ طرفٍ داخليٍّ حقّ استخدام العراق لإشعال جبهاتٍ لا يقرّرها العراقيون. ورفض السلاح المنفلت لا يمنح الخارج رخصةً لعبور الحدود ومعاقبة الناس نيابةً عن دولتهم. الفعلان يلتقيان، رغم اختلاف ذرائعهما، عند نتيجةٍ واحدة: انتزاع القرار من الدولة.
السيادة ليست امتيازًا تمنحه القوى الكبرى حين تكون راضية، ولا شعارًا تستدعيه الجماعات حين تتعرّض مواقعها للهجوم. إنها عقدٌ وطنيٌّ لا يتجزّأ: الأرض العراقية لا تُستخدم للاعتداء على الجوار، والسماء العراقية لا تُفتح للردّ الخارجي، والدم العراقي لا يتحوّل إلى هامشٍ في رسائل الآخرين.
من يطلق مسيّرةً من دون قرار الدولة يفتح ثغرةً في جدار وطنه قبل أن يبلغ عدوّه. ومن يعبر الحدود ليضرب داخل العراق يُضعِف المؤسسة التي يفترض أن تكون شريكته في منع التهديد.
لذلك لا تحتاج بغداد إلى الاختيار بين صمتٍ على الداخل وصمتٍ على الخارج. تحتاج إلى موقفٍ ثالثٍ أشدَّ صلابة: دولةٌ تمنع الذريعة، ثم تمنع العدوان.
من سيادة البيان إلى سيادة القدرة
لا ينبغي أن تنتهي الحادثة إلى لجنةٍ تبدأ حين تبرد آثار الصاروخ، ثم تنام في أرشيفٍ مغلق. المطلوب أن تتحوّل الصدمة إلى بناءٍ دائم: عينٌ وطنيةٌ موحّدة تربط منظومات الرصد، ودفاعٌ جويٌّ يُطوَّر بلا انتظار، وقنواتٌ ساخنةٌ مع دول الجوار تسبق الأزمة. القدرة التي تُبنى بعد الصدمة تحمي من الصدمة التالية، والصدمة التي تُنسى تستدعي أختها.
الأدوات التقنية تستقيم على قاعدةٍ سياسيةٍ حاسمة: قرار الحرب والسلم لا يغادر المؤسسة الدستورية، أيّاً تكن هويةُ الجهة المسلّحة، وقوّةُ حليفها، وعدالةُ القضية التي ترفعها. القضية العادلة تخسر عدالتها حين تحملها أدواتٌ لا تخضع للدولة. السيادة تفقد معناها حين تُستدعى بعد كل ضربة، وتعجز عن أن تتحوّل إلى قدرةٍ تمنع الضربة التالية.
الدقيقة الأولى للجمهورية الثالثة
الحكومات لا تُختبر حين تسير الزيارات وفق جداولها، وتُفتح أمامها قاعات الاستقبال، وتوضع الاتفاقيات على الطاولة. امتحانها الحقيقي يأتي حين يقع ما لم يكن في البرنامج.
الحكومة الجديدة أمام فرصةٍ تتجاوز إدارة أزمةٍ عابرة: أن تنقل العراق من دولةٍ تعترض بعد الحادثة إلى دولةٍ تمنعها، ومن سيادةٍ تُكتب في البيانات إلى سيادةٍ تتحرّك في المؤسسات، ومن توازنٍ هشٍّ بين القوى إلى مركز قرارٍ يجعل الجميع يتوازنون عند مصالح العراق.
التوقيت هو جوهر السيادة في زمن المسيّرات؛ من يملك الدقيقة الأولى يملك القرار بأكمله. الجمهورية الثالثة لا تبدأ بتغيير الوجوه وحده. تبدأ عندما تسترد الدولة التوقيت: تصل في اللحظة التي كان الآخرون يصلون فيها قبلها، وتعرف في اللحظة التي كانت تنتظر فيها معلوماتهم، وتمنع في اللحظة التي كانت تكتفي فيها بالإدانة.
تُقاس السيادة بعدد الحروب التي تمنعها الدولة قبل أن تصل إليها. البيانُ الذي يتلو الاختراق يوثّق العجز، والقدرةُ التي تسبقه تصنع الدولة. بين المسيّرة التي تخرج من أرض العراق والصاروخ الذي يدخلها تقع دقيقةٌ واحدة: إمّا أن تملكها الدولة، وإمّا أن يكتب الآخرون فيها مصير الوطن.