أذن وعين
نحن وأوكوموتو والثورة العالمية
عبد اللطيف السعدون
لاحظ بعض المتابعين عدم اهتمام وسائل الإعلام العالمية بخبر رحيل آخر رجال منظمة «الجيش الأحمر» الياباني الداعين لإشعال ثورة عالمية تطيح الحكومات القائمة، وتقيم «أممية» العدل والحرية المساواة، ولعلها اعتبرته خبرا ميتا خاصة وأن منظمة الجيش الأحمر كانت قد حلت نفسها على لسان مؤسستها وزعيمتها توساكوشيغينويو في نيسان/ أبريل عام 2022، ولوحظ أيضا أن بعض الصحف والفضائيات التي نشرت الخبر من دون افاضة أو تفصيل لما وراء الخبر نفسه احتارت في تحديد اسم المناضل الأممي الأخير، والذي يحمل أسماء عدة فهو في السجلات الرسمية اليابانية كوزو أوكوموتو، ويطلق عليه رفاقه في «الجيش الأحمر» اسم دايسوكينامبا، اما نحن العرب فقد عرفناه باسم «أحمد الياباني»، وهو الاسم الذي أطلقته عليه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد مشاركته مع اثنين آخرين من كوادر «الجيش الأحمر» في «عملية مطار اللد» التي قتل فيها 26 مستوطنا اسرائيليا، والتي كانت حصيلة تنسيق وتعاون بين الجيش الأحمر والجبهة، لكن مع تعدد الأسماء ظلت مهنته واحدة «مناضلا ثوريا أمميا»، صنعها لنفسه انطلاقا من العقيدة التي حملها في عقله وقلبه، ولم يتنازل عنها حتى مع حل «الجيش الأحمر» وإنهاء عملياته، وقد ظل صامدا واثقا من انه اذا ما قدر له أن يموت فسوف يتحول الى «نجم في السماء يضيء لشباب العالم الطريق الذي يقود إلى الثورة العالمية» على حد ما قاله أمام القاضي الاسرائيلي.، وهو مقيد اليدين والرجلين، وقد حكم بالسجن المؤبد نتيجة ذلك، وقضى هناك 13 عاما قبل أن يفرج عنه في عملية تبادل أسرى بين الإسرائيليين والفصائل الفلسطينية.
آلام صعبة
كان أوكاموتو غاضبا من قرار الحل، وبخاصة بعد الاعتذار الذي قدمته شيغينوبو إلى «أناس لم نكن نعرفهم، وقد عانوا بسببنا من آلام صعبة»، واعتبر القرار تراجعا عن العمليات الثورية التي قام بها الجيش الأحمر في غير ما مكان من العالم، واعترافا ضمنيا بخطئها.
كل ذلك أشعر أوكاموتو بالخيبة، وهو في مخيم اللجوء، ولازمه حزن عميق جعله ينكفئ على نفسه، والقريبون منه قالوا إنه كان يرفض أن يقابل أحدا، وكانت متعته الوحيدة مشاهدة الرسوم المتحركة مثل مسلسل «توم اند جيري»، الى جانب عنايته بقطتين اعتاد رعايتهما منذ أن التحق بالمخيم، وكان لا يأكل إلا القليل، مكتفيا بشرب القهوة، وتناول بعض الحلوى.
ضغوط إقليمية
وفي النهاية قدر لأوكوموتو أن يموت على أرض عربية، وهو الذي قال أكثر من مرة إنه يشعر بالفخر لعلاقته بالعرب، وتبنيه لقضية فلسطين العادلة، وكان، ساعة وفاته، مقيما في مخيم فلسطيني في منطقة البقاع بلبنان بعد حصوله على اللجوء نتيجة ضغوط إقليمية ودولية، وهو حتى تلك الساعة كان مطلوبا من قبل سلطات بلده اليابان، وملاحقا من قبل الولايات المتحدة التي عدته ارهابيا، ورصدت 5 ملايين دولار جائزة لمن يقدم معلومات تقود إلى اعتقاله، وقد مثل رحيله نهاية ل «أممية» الجيش الأحمر التي بشرت بقيام «ثورة عالمية» تسقط الأنظمة في بلدان العالم، وتحقق المساواة والعدل والحرية لكل مواطنيها.
كل ذلك كان مدعاة لوقوفنا في حينه مع مناضلي الجيش الأحمر، وقد رأينا فيهم، ونحن في سياق صراعنا مع العدو الصهيوني لحظة تاريخية مضيئة، وانتصارا لنا ولقضيتنا، ووجدنا في «منجزاتهم» ما يعزز آمالنا، ويصعد من أحلامنا في أن نعمل على تحرير فلسطين من النهر الى البحر، ثم نسقط حكوماتنا الموالية للغرب، ونشعل «الثورة العالمية» في كل مكان.
لكننا، وقد خبرنا العديد من التجارب، لم نعد نر فيها اليوم أكثر من كونها أفكارا «طوباوية» لا تملك صلة بالواقع المعاش، وإن ظل فريق منا متشبثا بها على النحو الذي عبر عنه بيان «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في رثاء المناضل الأممي الأخير، في تمسكها بما وصفته ب «نهج النضال الأممي» الذي مثله أوكوموتو الذي ظل حالما بالثورة العالمية حتى ساعة رحيله، ونعترف بمرارة أن تلك الأوهام التي تلبستنا زمنا قادتنا إلى ما هو ماثل أمامنا اليوم، وجعلتنا تنكفئ على خيباتنا المتكررة، ولا هم لنا سوى أن نفعل كما فعل أوكوموكو بعد خيبته التي أبى الاعتراف بها، أن نتابع الرسوم المتحركة، ونعتني بفصيل من القطط والكلاب، ونشرب القهوة، وننتظر الأخبار العاجلة على مضض.