دهي الواقعة اقاصي الشمال هجرها ابناؤها وعادوا اليها
يلدا خوشابا يبرز أسفار قريته القابعة في أحضان الطبيعة
سامر الياس سعيد
من باب الفخر والاعتزاز الذي طالما يتجلى بالوفاء لكاتب تجاه قريته ان يخصص احدى مؤلفاته تجاهها ليشير الى كل الحكيات والمحطات التي مرت بها مستذكرا عبر صفحات مؤلفه الكثير من ما اختزنته ذاكرة ابناء القرية وما شهدته من مواقف مؤلمة ومفرحة والجميل ان في كتب الاستذكارات التي ينشرها الكتاب تجاه بلداتهم وقراهم ان يبرزوا الكثير من القامات المعرفية التي عاشت في تلك المناطق ومما يتجلى من تلك النماذج كتاب دهي (قرية الزيتون ) الذي اصدره الكاتب يلدا خوشابا يلدا عام 2024 حيث جاء مؤلفه ب122 صفحة من القطع الوسط زاخرا بالحكايات والاسماء التي عاشت بقرية دهي الواقعه ضمن مدينة دهوك وبالتحديد بوادي صبنا على الطريق الرئيسي الواصل لبراوري بالا حيث تخضع القرية اداريا لناحية بامرني في قضاء العمادية .
اجيال متوارثة
ويستهل الكاتب كتابه بتقديم يسير يشير من خلاله الى كونه اعد ملفا حول القرية راغبا باطلاع اجيال متوارثة على اوضاعها عبر التاريخ معتمدا على المعلومات التي استقاها من خلال الاباء وكبار السن ويشير الكاتب الى ان التقديم الاولي الذي استهل به كتابه كان خاصا بالراحل خاميس يونان كوركيس الذي اعد الملف متاملا بان يتوسع بما اعده لكن القدر لم يمهله وتابع الكاتب بان الكتاب يعد توثيقيا لمراحل مهمة مرت بها القرية سواء في محاور سياسية واجتماعية وثقافية مشيرا انه وبالرغم من صعوبة جمع المصادر لندرتها فقد استقى معلوماته من كبار السن وفي الصفحة التالية اهدى الكاتب كتابه لاهالي قريته سواء المتواجدين في العراق او في دول المهجر كما اهدى الكتاب لروح الصديق الراحل خاميس يونان اضافة لشمس دهي التي كانت وستبقى الاجمل والاحب لقلب الكاتب وفي سياق المقدمة يضي الكاتب لاسفار تاريخية خاصة بها بدءا من كونها بنيت على انقاض مدينة كبيرة كانت تقع بذات موقع القرية الحالي اضافة لاشارات اخرى من ان القرية كانت مسكونه من قبل الارمن وهنالك ما يعزز الاعتقاد الاخير حيث مازال هنالك اثر لبناء لقصر خاص بمسؤول ارمني يسمى قصرونه كما يشير الكاتب لاثار اخرى تزخر بها القرية مثل بيوت مبنية على شكل صفوف متوالية ومتوازية فيما يحدد الكاتب موقع القرية التي اسلفنا بالاشارة اليه كما يحدد الحدود الادارية الخاصة بالقرية مشيرا بان ما يحد القرية من جهة الشرق هي كلا من قرية ارز وهسنبيركة ومن الغرب قريتي كلوا وباص ومن الشمال قريتي ببكوري وبانكا ومن الجنوب قرية همزة وفي سياق محور خاص باصول اهالي قرية دهي يكتب الكاتب مشيرا الى ان القرية ضمت بيوتات نزحت عبر مراحل تاريخية من اماكنها الاصلية في مناطق كتخوما وتياري وهلمون وكيرامون لينصهروا فيما بعد بتسمية موحدة وهي الدهايي ويفصل الكاتب العوائل التي ترتبط باصول عريقة فيكتب عن بيث كوري وبيث ساوه بي كيوو وبيث توما وبيث قاشا وبيث موشي وبيث زيا كما يخصص الكاتب محورا اخر للحديث عن بيوت القرية قبل عام 1961 اضافة لوصف بعض البيوتات حيث يشير لقربها من بعض وكانت مساحات بنائها قليلة جدا حيث لاتتجاوز المائة متر لكل دار واغلبها كان مبني من الحجر والكلس وسقوفها من خشب السبيندار وتغطى بالطين الاحمر المخلوط بالتبن ويتم تجديد هذا الطين بشكل سنوي بعملية يسميها اهالي القرية شايا كاري اي تسوية السطح وصقله ويتابع الكاتب للحديث عن نمط بناء بيوتات القرية فيشيرلان اغلب تلك البيوتات مبنية من طابقين بحيث يخصص الطابق السفلي لايواء الحيونات في فصل الشتاء كما يخصص الكاتب محور للحديث عن مهنة البناء في القرية خصوصا وان العديد من ابناء القرية كانوا معروفين بمهاراتهم في بناء الدور والكنائس في المنطقة.
تفجير القرية
ويصل الكاتب لمحطة مؤلمة من تاريخ القرية وهو المخصص للحديث عن ترحيل وتفجير القرية حيث جرى ذلك بعد عام 1961حينما ترك الاهالي بيوتاتهم في القرية نظرا لاشتداد معارك الشمال التي كانت دائرة بين الحكومة المركزية والثورة الكردية ومن عام 1961 ورغم اشارة الكاتب الى ان القرية هجرت تماما وبدت خالية من سكانها بالرغم من عودة بعض الاشخاص منفردين الا انهم تركوها تماما بين عامي 1987 و1988 ابنان عمليات الانفال سيئة الصيت ليعود لاحقا للاشارة الى واقع القرية بعد عام 2003 خصوصا وان الاخالي بداوا بالعودة اليها تدريجيا بعد انتفاضة اذار ضد الحكومة والتي كانت اعقاب عام 1991 ورغم توفر اجواء الامان في تلك الفترة.
الا ان الخدمات كانت يسيرة بعدم توفر وسائل تضمن بقاء الاهالي نظرا لانعدام الكهرباء والوقود اضافة الى اان التواجد في القرية من جانب المزارعين يتوجب وجود مورد مالي للاضطلاع بديمومة المعيشة وتوفير متطلبات الحياة وتطوير عملية الزراعة عبر استخدام اللالات الحديثة وفي تلك الفترة وبحسب الكاتب كانت اعداد من استقروا بالقرية لايتجوز ال12 دار الا انه توسع العدد بعد عملية الاعمار التي تبناه وزير مالية الاقليم الاسبق سركيس اغا جان وذلك بعد عام 2005 وبدات بالعام التالي بوادر الاعمار ببناء 15 دار للساكنين اصلا في القرية عبر مرحلة اولى تلتها مرحلة اخرى تضمنت بناء 15 دار اخرى حتى بلغ عدد الدور المبنية في تلك الحملة قرابة ال45 دار وشهدت الفترة ايصال التيار الكهربائي لدور القرية اضافة لتجهيز القرية بمولدة كهربائية كما وبناءا على الازدهار التي شهدته القرية تم التفكير بانشاء مدرسة والعمل على توفير مياه صالحة للشرب وتم ذلك من خلال تبني احدى المنظمات الانسانية لمطالب اهالي القرية بحفر بئر ماء وانشاء شبكة انابيب لايصال الماء للدور وانشاء مدرسة بسعة ست صفوف اضافة لغرف الادارة والمخزن والمرافق الصحية كما خصص الكاتب محور للحديث عن كنيسة القرية موردا عددا من الحواضر المسيحية التي احتوتها القرية ومنها كنيسة مارت شموني ومزار مار كوركيس ومزار مار قيوما اضافة لايراده لمعلومات عن الكهنة الذين تناوبوا على خدمة اهالي القرية كما تحدث الكاتب عن مدرسة القرية اضافة لايراد اسماء المداراء الذين تناوبوا على ادارة تلك المدرسة فضلا عن اسماء الطلبة ممن تم تسجيلهم بالمدرسة موردا في سياق هذا المحور بعض الاحداث الخاصة التي اقترنت بالمدرسة ومنها مراسيم رفع العلم العراقي واستغلال ساحة المدرسة من قبل الاهالي اضافة لمواقف فكاهية جرت للطلاب داخل الصفوف كما تحدث الكاتب عن زيارة احد ابناء القرية من المغتربين لقريته وذلك صيف عام 2022كما تحدث الكاتب عن نهر القرية ويسمى نهر دهي الذي ينال ماؤه من الينابيع الموجوة على طول مجراه داخل حدود القرية وفي سياق ابناء القرية ممن امتلكوا سيارات التكسي في المنطقة يتحدث الكاتب عن اغلبيتهم وفي سياق بعض الشخصيات التي تميزت في القرية فيتحدث الكاتب عن الحكواتي فضلا عن الحديث عن مختاري القرية بدءا من عام 1900 والى يومنا الحاضر كما اورد الكاتب معلومات تخص اهالي القرية وارتباطهم بقوات الليفي كما يضم الكتاب محورا تخصص بالحديث عن الالعاب التي كان يمارسها اطفال القرية كما تحدث لاحقا عن المغدورين وشهداء القرية كما توسع بالحديث عن بعض الحيوانات المشهورة في القريةواختتم الكتاب بايراد بعض الشخصيات التي احدثت تاثيرا متميزا بوسطها وهي انطلقت من حاضرة القرية كما احتوى الكتاب على صور نادرة توثق بعض تلك الشخصيات ويوميات القرية وافراحها المجتمعية .
الكتاب رغم عدم تنضيده بالصورة المقبولة يعد وثيقة متميزة تتحدث عن احدى قرى شمالنا العزيز وهي بادرة توصف بالعرفان للقرية التي ترعرع الكثير من ابنائها ليسهموا لاحقا بابراز دور الاجيال السالفة عما قدمته لابنائها ويضم الكتاب اشارات خاصة تعد مصادر ومراجع عن واقع المسيحيين وعيشهم فترات الازدهار والانحسار حينما كانت القرية ماهولة منذ عقود لتختفي تلك العوائل بسبب الظروف اللامستقرة التي شهدتها المنطقة ليعود الامان لاحقا فاتحا ذراعيه لاحتضان ابناء القرية ممن جذبهم الوفاء للعودة والاستقرار في القرية .